الرئيسية

“فضيحة في المجلس”.. مصير الصحافيين المغاربة بين أياد غير آمنة؟

مساء أمس الخميس 20 نوفمبر 2025، فجّر الصحافي المغربي حميد المهدوي قنبلة إعلامية بنشره فيديو على قناته في يوتيوب، يكشف جانباً من مداولات لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية بالمجلس الوطني للصحافة. الفيديو، الذي نشره تحت عنوان "المؤامرة: تكليف مجاهد بلقاء عبد النبوي وعضو يؤكد تدخله في القضاء لإدانتي"، أحدث زلزالاً في الأوساط الإعلامية والسياسية المغربية، وأعاد فتح ملف قضية "التنظيم الذاتي للصحافة".​​

مروان المودن I هوامش

بالتوازي مع المحاكمات القضائية، خاض المهدوي معركة مع اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، التي رفضت تجديد بطاقته الصحافية لسنة 2025. السبب المعلن، وجود أخطاء في الوثائق المقدمة، خاصة شهادة الضريبة التي جاءت “لاحقة لتاريخ تقديم الطلب”.​​

طعن المهدوي في القرار أمام المحكمة الإدارية بالرباط، لكن المحكمة رفضت طلبه في 22 مايو 2025. وفي قرار آخر، قررت اللجنة سحب بطاقته لمدة سنة على خلفية استعماله عبارة “سلگوط”، معتبرة إياها “بذيئة”.​​

دافع المهدوي بشراسة عن حقه في الحصول على البطاقة، مستندا إلى أن “البطاقة تُجدد بقوة القانون”، متهما اللجنة بمخالفة المرسوم الحكومي والنظام الداخلي للمجلس، مشيراً إلى أن المحكمة لم تجب على دفوعه القانونية. فيما رفضت اللجنة حضور أكثر من محام واحد في جلسة محاكمته من قبل لجنة الأخلاق والتأديب. 

التسريب المدوي

مساء 20 نونبر 2025، نشر المهدوي فيديو يُظهر جانباً من مداولات لجنة التأديب، يتضمن ما وصفه بـ”التدخل في قضايا معروضة على القضاء”. الأخطر في التسريب، وفق المهدوي، هو ذكر اسم محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إضافة إلى استعمال عبارات “غير أخلاقية” خلال النقاش الداخلي وتصويره دون علمه.​

وعلى إثر ذلك طالب المحامي رشيد آيت بلعربي، عضو هيئة القنيطرة، الرئيسَ المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية محمد عبد النباوي بفتح تحقيق عاجل في مضمون الفيديو الذي نشره الصحافي حميد المهداوي، معتبرا أن ما تضمّنه من تصريحات يمس بسمعة القضاء ويثير الشكوك حول استقلاليته، خاصة بعدما انتشر على نطاق واسع مما قد ينعكس سلبا على صورة المؤسسة القضائية لدى الرأي العام.

ويظهر مقطع مصور لاجتماع لجنة التأديب طلب أعضائها من يونس مجاهد لقاء عبد النباوي. مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة، ورئيس لجنة الطعون، سبق أن تقدم بشكاية ضد المهدوي باسم المجلس الوطني للصحافة.​​

وأشار آيت بلعربي أن الفيديو يتضمن “تسجيلات ليونس مجاهد، خلال اقتحامه قاعة مداولات لجنة الأخلاقيات أثناء البتّ في ملف تأديبي يخص المهداوي، وهو ما وصفه المحامي بخرق قانوني صريح. وأضاف أن مجاهد أدلى بعبارات مهينة بحق مؤسسات مهنية، وصرّح بنيّته “التدخل” لدى عبد النباوي، ما اعتبره المحامي سلوكا يطعن في استقلال القضاء ويمسّ بالمكانة الدستورية للرئيس المنتدب، داعيا إلى تحقيق يضمن صون حياد السلطة القضائية وهيبتها.

أعضاء لجنة “الحُكم”.. وجوه في دائرة الاتهام ؟ 

صورة من مقابلة مجاهد مع صوت المغرب على يوتوب

أثار التسريب ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب كثيرون بإنصاف المهدوي وفتح تحقيق عاجل. ووجهت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، سؤالا كتابيا إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، واصفة ما ورد في التسريبات بأنه يكشف “انزلاقات غير مسبوقة” و”تآمراً لحرمان صحفي من حقوق مهنية بدوافع انتقامية”، مع “محاولة استغلال النفوذ والتدخل في مسار قضائي”.​

وطالبت التامني بفتح تحقيق “فوري ونزيه” لترتيب المسؤوليات، معتبرة أن ما كشفته التسريبات “يضرب في العمق مصداقية المؤسسات ويسيء لصورة المغرب الحقوقية”.​

وأشارت تدوينات عديدة إلى أن فتح بحث تمهيدي يظل احتمالاً وارداً، سواء للتحقق من صحة ما تضمنه التسجيل أو لكشف ملابسات تسريبه، التزاماً بمبادئ سيادة القانون وحماية استقلال السلطة القضائية.​

ومن بين الوجوه التي ظهرت في التسريب “محمد السلهامي”، يشغل حاليا منصب الرئيس الشرفي في الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، إضافة إلى رئاسته لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية. قضى سنوات طويلة في الحقل الإعلامي، حيث أدار أسبوعية “ماروك إبدو” المعروفة قبل أن ينتقل إلى مسؤوليات إدارية وتنظيمية في الجسم الصحافي. إلى أن أصبح في قلب العاصفة الأخيرة بعد التسريبات التي اتهمته بالتدخل في الشؤون القضائية وتمرير أحكام جاهزة، كما يوضح الفيديو، وهو ما نفته اللجنة، معتبرة أن ما نُسب إليه “محض تحريف وفبركة”.​

وفاطمة الزهراء الورياغلي، الوجه النسائي في القطاع الإعلامي المغربي، من خلال شغلها لمنصب نائبة رئيس المجلس الوطني للصحافة ومديرة نشر مجموعة Finance News الإعلامية. لعبت أيضا دوراً في تأسيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين سنة 2020، حيث عملت مستشارة في المكتب التنفيذي قبل أن تتولى منصب نائبة الرئيس. وقد تم اختيارها لرئاسة لجنة تحكيم الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة. 

وظهر في التسريبات أيضا عضو اللجنة عبد المنعم الديلمي الأستاذ في جامعة محمد الخامس، الذي برز اسمه في التسريب “الفضيحة” ويملك مجموعة Eco-Médias منذ عام 2000، وأسس بذلك إمبراطورية إعلامية تشمل جريدة L’Économiste بالفرنسية، وجريدة الصباح بالعربية، وإذاعة أطلنتيك راديو. ويشغل الآن منصب الرئيس الشرفي للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين.

وأما خالد الحري، الوجه الأبرز في ما تم تداوله من التسريبات التي تشير إلى أنه تلقى الحكم بعد استشارة هاتفية، فإنه يشغل منصب مدير نشر ورئيس تحرير جريدة الصباح، ويشغل منصب أمين مال الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين. عُرف الحري بتخصصه في الإعلام القضائي والأمني، و شكّل مع عبد المنعم الديلمي “ثنائيا”، ساهم في بناء صحيفة الصباح وهما مقربين جدا في اللجنة المؤقتة المنتهية ولايتها. 

“عمل غير قانوني”

في اجتماع طارئ، عُقد اليوم الجمعة 21 نونبر 2025، ردت اللجنة المؤقتة بقوة على التسريب. وأصدرت بلاغاً اعتبرت فيه أن نشر مقاطع من اجتماع داخلي “عمل غير قانوني”، لأن مداولات اللجان محاطة بالسرية وفق المادة 18 من النظام الداخلي للمجلس الوطني للصحافة، وأن “أي نشر لمضامين هذه المداولات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون”.​

وأعلنت اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر قرارها اللجوء إلى القضاء ضد الصحافي حميد المهدوي، وكل من ساهم في تسريب مقاطع من اجتماع داخلي للجنة الأخلاقيات، واصفة ذلك بأنه “غير قانوني ومشين”.​

واعتبرت اللجنة أن نشر المقاطع ينتهك السرية المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس الوطني للصحافة، وأن نشر صور الأشخاص دون موافقتهم “لا يمت لحرية الصحافة بصلة”. ووصفت ما قام به المهدوي بأنه “حملة ممنهجة” منذ شهور للتشهير بأعضائها والتشكيك في نزاهتهم.​

وردت اللجنة على اتهامات المهدوي، بحياكة “مؤامرة” ضده، بالتأكيد أن جميع القرارات المتخذة في حقه “استندت إلى القانون واحترمت كل المساطر القانونية”. ونفت ما نُسب إلى رئيس لجنة الأخلاقيات من كلام واصفة إياه بـ”التحريف والفبركة”. هذا القرار يضيف ملاحقة قضائية جديدة لسجل المهدوي القضائي المثقل بالأحكام والشكايات.

اللجنة تعاقب المهدوي في خضم صراعه مع وزير العدل

بدأت القصة في فبراير 2024، عندما استدعت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء حميد المهدوي للتحقيق معه لمدة تجاوزت تسع ساعات. بسبب شكاية قدمها وزير العدل عبد اللطيف وهبي بعد نشر المهدوي محتوى على موقع “بديل” يسائل فيه الوزير بشأن حصوله على سيارة باعتبارها أتعابا من موكلة تولى الدفاع عنها، مع التلميح إلى شبهة تهرب ضريبي.​

تابعت المحكمة الابتدائية بالرباط المهدوي بتهم “بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بهدف التشهير، القذف والسب العلني”، استناداً إلى الفصول 447-2 و444 و443 من القانون الجنائي.​​

يوم 11 نونبر 2024، أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط حكماً قاسيا، سنة ونصف سجنا نافذا، وتعويض مدني لفائدة وزير العدل قدره 150 مليون سنتيم (حوالي 150 ألف دولار).

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ تقدم وزير العدل بخمس شكايات ضد المهدوي، جميعها بموافقة رئيس الحكومة عزيز أخنوش. يوم 26 ماي 2025، وفي توقيت أثار التساؤلات، تسلم المهدوي شكايتين جديدتين من وهبي قبيل جلسة محاكمته بمحكمة الاستئناف بساعات. حينها، اعتبر المهدوي أن التوقيت يهدف إلى “الضغط على القاضي السعداوي ومن معه من مستشارين”.​​

في غشت 2025، رفع وهبي دعوى قضائية أخرى ضد المهدوي بتهمة “نشر ادعاءات ووقائع غير صحيحة بسوء نية”، استنادا إلى قانون الصحافة والنشر. وفي ديسمبر 2024، قدم شكاية جديدة على خلفية اتهام المهدوي له بأنه “نعت مغاربة بالكلاب”، وهو ما نفاه الوزير.​​

ماضٍ حافل بالمحاكمات

ليس هذا أول احتكاك للمهدوي مع القضاء. فقد سبق أن حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في 2017، بتهمة “عدم التبليغ عن جريمة تمس أمن الدولة”، على خلفية حراك الريف، حيث اتُهم بتجاهل تبليغ السلطات عن مكالمة هاتفية من شخص محهول يقيم في هولندا يتحدث عن إدخال دبابة روسية إلى المغرب. أُطلق سراحه في يوليو 2020 بعد قضاء ثلاث سنوات في السجن.​

اعتبرت منظمات حقوقية منها  مراسلون بلا حدود أن الحكم جائر في قضية حميد المهدوي إضافة إلى منظمات أخرى اعتبرت أن ما يتعرض له المهدوي يمثل “تضييقاً على حرية التعبير” و”تهديداً للحق في النقد الصحافي”.

وطالبت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان محكمة الاستئناف بـ”تصحيح مسار العدالة” عبر إصدار حكم منصف، معتبرة أن اللجوء إلى القضاء من قبل مسؤول حكومي ضد صحافي “يمس بمبدأ توازن السلط”.​

في المقابل، يرى آخرون أن ما يجري هو “تطبيق صارم للقانون لحماية سمعة الأشخاص والمؤسسات”. وزير العدل نفسه قال إنه رفض مبادرة وساطة قادها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله للتوصل إلى صلح.​​

يونس مجاهد، دافع عن قرارات اللجنة في لقاء مع جريدة “صوت المغرب”، مؤكداً أن “المعيار واضح”، وقال: “كنقولوا له: راه عطيناك البطاقة، وعطيناها لك ملي خرجتي من السجن مباشرة، ظروفك صعبة، فين احنا ضدك؟”.​​

اليوم، يقف حميد المهدوي على مفترق طرق خطير. حكم بالسجن مؤيد استئنافياً، حرمان من بطاقة الصحافي المهني، شكايات متعددة من وزير العدل، وأخيراً تهديد بمقاضاته من قبل اللجنة المؤقتة للصحافة على خلفية التسريب.

في هذا السياق، يفتح التسريب الأخير باب تساؤلات أعمق حول استقلالية المؤسسات الإعلامية والقضائية في المغرب، ومدى احترام مبدأ الفصل بين السلطات.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram