الرئيسية

تخزين الكوكايين تحت الأرض.. تكتيك جديد لمهربي المخدرات في أوروبا

عند فجر صباحٍ بارد من دجنبر الماضي، اكتشفت السلطات الإسبانية سبعة أطنان من الكوكايين مدفونة قرب إشبيلية، لتحبط في هذه العملية تكتيكا جديدا لجأت إليه شبكات التهريب التي يمتد نشاطها على سواحل إسبانيا، عبر طرق الحشيش القديمة في المغرب وغرب إفريقيا، في محاولة للتحكم بسوق يغرق بالمخدرات البيضاء.

OCCRP/ ترجمة هوامش

عند فجر يوم بارد وصافٍ، من شهر دجنبر الماضي، رصدت السلطات الإسبانية زورقين سريعين ينقلان شحنات كبيرة، عند مصب نهر “غوادالكويفير” جنوب غرب إسبانيا. لاحق الحرس المدني تلك الشحنة عبر النهر لمسافة 60 كيلومتراً، وصولاً إلى مزرعة محصّنة شديدة الحراسة في مدينة كوريا ديل ريو، قرب إشبيلية.

وأثناء تفتيش المزرعة، كشف عناصر الحرس عن وجود حاويتين مدفونتين تحت الأرض. وعند فتح إحداهما، عثروا على سبعة أطنان من الكوكايين، تقدر قيمتها السوقية بنحو 420 مليون يورو؛ إحدى الرزم تحمل شعار “شيطان يعزف الغيتار”.

رغم أن هذه الكمية التي تم ضبطها ليست الأكبر في تاريخ إسبانيا، إلا أنها تكشف كيف أصبح المهربون يتكيفون مع تشديد الرقابة في موانئ أوروبا الكبرى، إذ بدأوا يلجأون إلى مواقع إنزال بديلة، وتخزين بضاعتهم في سوق يغرق بالكوكايين.

تزايد زراعة نبتة الكوكا، وتبدل شبكات الجريمة، واللجوء المتزايد للغواصات شبه المغمورة، وطرق “التمويه الكيميائي” (تقنية إخفاء المخدر عبر مزجه بمواد صلبة)، عوامل اجتمعت لتشكّل طفرة ضخمة لترويج الكوكايين في أوروبا.

مع احتدام المنافسة بين المهربين وارتفاع العرض، حد الإشباع، انهار سعر الكوكايين بالجملة إلى مستويات غير مسبوقة في الكثير من الدول؛ حتى أن البيع أصبح غير مربح للبعض.

يشرح سيزار ألفاريز فيلاسكيز (César Álvarez Velásquez)، من مؤسسة الابتكار من أجل التنمية بكولومبيا: “الطبقات العليا من شبكة التهريب أصبحت أكثر كفاءة وقادرة على التوسع السريع وتقديم أسعار تنافسية بشدة”.

لكن رغم تحسن نقاوة المنتج، لم تتغير أسعار البيع للمستهلكين، إذ تبدأ الشبكات بتخزين كميات هائلة من الكوكايين، في محاولة للتحكم بالسوق ورفع الأسعار تدريجياً.

عبر سلسلة مقابلات مع مسؤولين أمنيين وخبراء مخدرات، من أوروبا وأمريكا اللاتينية، جمع برنامج الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) صورة أوضح حول كيف ولماذا أصبح بعض المهربين يدفنون الكوكايين المهرّب من فلوريدا، أو ما يُعرف في الأوساط الإجرامية باسم “ثلج فلوريدا” (Florida Snow).

روبرت فاي (Robert Fay)، من وكالة الاستخبارات الرسمية للاتحاد الأوروبي (يوروبول)، يقول: “لدينا كميات هائلة من المخزون في إسبانيا، الكوكايين مدفون في مخابئ تحت الأرض. الجميع يتساءل: ما الذي يحدث؟”

لماذا انفجرت صناعة الكوكايين؟

مفتاح اللغز يقع في غابات كولومبيا، أكبر دولة لزراعة نبتة الكوكا؛ التي يعد المادة الأصلية لصناعة الكوكايين.

بحسب بيانات الأمم المتحدة لعام 2023، قفزت مساحة الأراضي المزروعة بالكوكا في كولومبيا بنسبة تقارب الثلثين، لتصل إلى 253 ألف هكتار؛ أي بقدر مساحة لوكسمبورغ. وخلال نفس الفترة، تضاعفت الطاقة الإنتاجية لتتجاوز 3700 طن متري، وهو وزن يوازي نحو 300 حافلة من ذات الطابقين.

وتبعاً لذلك، انخفض سعر أوراق الكوكا بشدة إلى 5 دولارات للـ”أروبا” (arroba) وهي وحدة وزن كولومبية تعادل 12.5 كجم، بعدما كانت 18 دولاراً قبل عامين فقط.

وترتبط هذه الطفرة الإنتاجية بثلاثة عوامل: فشل السياسات، وتطور زراعي في مناطق مركزة، وصعود جماعات مسلحة صغيرة تركز على الربح بدلاً من السياسة.

قبل اتفاق السلام التاريخي، سنة 2016، مع جماعة “فارك” المسلحة، أُوقف رشّ مزارع الكوكا بالمواد الكيماوية السامة. ومع تراجع الضغط، بدأ الفلاحون في تحسين زراعتهم، وابتكار سلالات عالية الإنتاجية يمكن جنيها مرات عدة سنوياً.

في الوقت ذاته، أعطت برامج الحكومة لاستبدال زراعة الكوكا بمحاصيل بديلة نتائج عكسية؛ إذ بدأ كثيرون يزرعون الكوكا فقط ليحصلوا على الدعم.

ثم ساهم خروج مقاتلي “فارك”، الذين كانوا يتحكمون بالسوق والأسعار، في فتح المجال أمام فصائل أخرى أكثر كفاءة، وأنظمة معالجة جديدة، أدت إلى انخفاض أسعار البيع من المزرعة.

علاوة على ذلك، أدت جائحة كوفيد إلى تراكم كميات ضخمة من المخدرات، حين كان التهريب يتباطأ بينما الإنتاج مستمر بلا توقف، مما ساهم في خلق “تدفّق لا ينتهي من الإمدادات” عبر أمريكا الجنوبية وفقاً للادعاءات.

يقول ألبرتو موراليس، مسؤول مكافحة المخدرات في الشرطة الإسبانية: “إذا بقيت البضاعة مخزنة فلا خيار سوى أن تُسرق أو تصادرها السلطات”.

هل السلطات تسيطر على كل هذا الكوكايين؟

الإجابة نعم، وبنجاح متصاعد. إذ سجلت دول الاتحاد الأوروبي رقماً قياسياً في ضبط الكوكايين للعام السابع على التوالي في 2023. احتلت بلجيكا وإسبانيا وهولندا الصدارة، كبوابات رئيسية لدخول الكوكايين إلى القارة، بينما ضبطت إسبانيا أكبر كمية لها على الإطلاق، تقدر ب 13 طناً، مخبأة بين حاويات موز قادمة من الإكوادور.

لكن هذه الجهود لم تمنع تدفق المخدرات بشكل كامل. يقول مارتن فان نييس  (Martin van Nies)، المدعي العام الهولندي المختص بقضايا الكوكايين: “الكوكايين، كالماء، يجد دائماً طريقه“.

ورغم الأرقام القياسية التي حققها المسؤولون، إلا أن جزءاً بسيطاً فقط من الكمية المهربة يُضبط فعلياً؛ ففي إسبانيا، 80% من الكوكايين يكتشف داخل الحاويات، لكن 10% فقط من الحاويات تخضع للفحص.

وتشهد أوروبا تحولات في طرق تهريب الكوكايين: بعدما أصبحت الموانئ الرئيسية مستهدفة ومراقبة بصرامة، لجأ المهربون لاستخدام منافذ أصغر، وغواصات لنقل المخدرات، وعمليات التبديل البحري للشحنات، والطائرات، وطرق التمويه عبر التحويل الكيميائي.

وبذلك تحولت منطقة غرب إفريقيا من نقطة عبور إلى مركز لوجستي؛ إذ تتيح البنية التحتية المتطورة، والتركيبة السياسية الفريدة لعصابات الجريمة العالمية، استغلال المنطقة لحماية شحناتها.

وتشير تقديرات مبادرة الجريمة المنظمة أن نحو ثلث كوكايين أوروبا يُمر عبر خليج غينيا، وقد ترتفع النسبة إلى النصف بحلول عام 2030.

يقول أحد ضباط الشرطة الإسبانية: “العصابات الآن توزّع الشحنات عبر طرق الحشيش القديمة من المغرب، أو تجمع البضائع من القوارب والغواصات في عرض المحيط”.

للاطلاع على التقرير الأصلي باللغة الإنجليزية أنقر هنا

من هم اللاعبون (الفاعلون) الجدد؟

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في بنية شبكات تهريب الكوكايين، التي اتجهت نحو التفكك والاحترافية. لم يعد الكارتيل يسيطر على كل شيء، بل باتت مجموعات صغيرة متخصصة في كل مرحلة.

أصبحت العصابات تعمل كشبكات صغيرة في خلايا مترابطة، لا كتنظيمات هرمية تقليدية، فظهرت مجموعات لم تكن معروفة سابقاً في أمريكا اللاتينية، وبدأت تفرض نفوذها بقوة. وساهمت عصابات ألبانية وغربية بلقانية في توسيع عمليات الشراء والشحن، خاصة عبر البرازيل وغرب أفريقيا.

تلعب أكبر عصابة إجرامية في البرازيل، “بيريميرو كوماندو دا كابيتال” (PCC)، دور الوسيط بين المنتجين في أمريكا الجنوبية والجماعات الأوروبية مثل “ندرانغيتا الإيطالية”، وعصابات “كافاش” و”شكالجاري” من “مونتينيغرو” (الجبل الأسود)، مُقدمة شبكتها وخدماتها كمنصة لربط الطرفين، وضمان توزيع العائدات بشكل عادل.

كيف يُخفون الكوكايين؟

يظن المحققون أن انخفاض أعداد المحجوزات يعود جزئياً إلى ابتكارات التمويه. ففي حين تبقى الطرائق التقليدية قائمة، كإخفاء الكوكايين في الطوب المجهز، يستخدم المهربون أساليب متنوعة، منها غسيل المادة القاعدية للكوكا في أقمشة أو كرتون، أو مزجها مع مواد مثل البن أو الأسمدة أو الفحم.

وقد رصد متخصصو المخدرات ظهور مزيد من المختبرات في أوروبا، لاستخلاص المخدر من مواده الناقلة باستخدام سوائل كيميائية حارقة. ويعد تمويه الكوكايين كيميائياً أكثر تعقيداً وإخفاءً، إذ يتم تعديله على المستوى الجزيئي، ليدخل في البلاستيك أو المعادن فلا يظهر في الاختبارات التقليدية.

وتؤكد تقارير الشرطة الأوروبية أن واحدة من كل خمس شحنات كوكايين، قادمة من كولومبيا، تمر عبر طرق التمويه الكيميائي.

ويقول الخبراء إن رأس المال الضخم، المتوفر لدى شبكات الجريمة المنظمة، يتيح الاستثمار في تقنيات إخفاء جديدة وفي الفساد.

ما أثر كل ذلك على الأسعار؟

مع انهيار السعر بالجملة إلى النصف خلال عام فقط، خصوصاً في هولندا؛ ، حيث انخفض سعر الكيلوغرام الواحد من 30 ألفاً إلى 15 ألف يورو؛ استمرت أسعار البيع بالتجزئة مستقرة؛ إذ تحدد المخاطر، وسلطة التاجر، السعر وليس تكلفة الشراء.

يقول أحد رؤساء الشرطة الإسبانية: “تخزين البضائع أصبح وسيلة لضبط السوق وإعادة رفع الأسعار”، حتى تظل عمليات التهريب مربحة ويتفادى المهربون الخسارة.

ينشر هذا التقرير بشراكة مع برنامج الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram