ما يميّز القرار الجديد ليس فقط المضمون بل الصيغة والكلمات المستخدمة. النص الذي أعدته الولايات المتحدة يشير إلى أن “الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل الحل الأكثر جدوى” للنزاع المستمر منذ 50 سنة.
بقراءة أولية، يُلاحظ أن القرار يُرسي للمرة الأولى إطاراً دبلوماسياً جديداً مختلفا عن عقود من الدقة المحايدة. النصوص السابقة كانت تُركّز على التزام مبدأ تقرير المصير والاستفتاء، دون تفضيل خيار على آخر. أما اليوم، فإن مجلس الأمن يدفع بقوة في اتجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية التي قدّمت عام 2007.
القرار دعا “الطرفين إلى المشاركة في هذه المناقشات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين، يكفل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية، ويقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى، ويشجع الطرفين على تقديم أفكار لدعم حل نهائي مقبول للطرفين”.
لم تصوّت الجزائر “ضد” القرار، بل امتنعت تماماً عن المشاركة. لم يكن هذا الاختيار صدفة، بل رسالة مشفرة. السفير الجزائري الدائم لدى الأمم المتحدة، عمار بنجمة، انتقد العملية برفع الصوت، قائلاً: “آراؤنا، التي وثّقناها بعناية وصِغنا بلغة متفق عليها مع أعضاء المجلس، تم تجاهلها بشكل متعمد”.
وكانت الجزائر قد طالبت بثلاث تعديلات على النص: إضافة إشارة إلى “الاقتراح الموسّع” الذي قدّمته جبهة البوليساريو في 20 أكتوبر، والذي يسمح بالاستفتاء مع خيار الحكم الذاتي والاستقلال معاً، و”تأكيد أن خطة التسوية المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تبقى الإطار القانوني المُلزم، وليس مجرد خيار بين عدة خيارات.
عندما رفضت الولايات المتحدة هذه التعديلات، لم تُصوّت الجزائر ضد (وهو موقف قد يبدو تاريخياً)، بل اختارت الصمت المطبق: لم تحضر التصويت أساساً.
ترامپ عاد للسلطة وأعاد معه “سياسته القديمة تجاه الصحراء الغربية”. في يوليو 2025، أعاد تأكيد دعم أمريكا الكامل لسيادة المغرب على الإقليم، واصفاً مبادرة الحكم الذاتي بأنها “الحل الوحيد” الممكن.
منذ عيّن الرئيس الأمريكي مبعوثاً خاصاً (ستيف ويتكوف) مهمته الوساطة بين المغرب والجزائر، وهي دلالة واضحة على أن إدارة ترامپ تراهن على “صفقة” قد تُحقق تقدماً استراتيجياً في شمال أفريقيا. بينما في السنوات الماضية، بدأ تغير جذري في المواقف الأوروبية. بدأت فرنسا العملية سنة 2021 عندما أعلنت دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. وانضمت بريطانيا (من “الخمسة الكبار” في مجلس الأمن) في يونيو 2025، واصفة الحكم الذاتي بأنه “الحل الأكثر مصداقية وواقعية وعملية”.
بلجيكا أعلنت دعمها في أكتوبر 2025، قائلة إن الحكم الذاتي “يوفر الحد الأدنى من الاستقرار والحقوق”. وغيرت إسبانيا (الدولة المستعمرة السابقة) موقفها سنة 2022 لتدعم الموقف المغربي.
وإلى حدود اليوم، 29 دولة فتحت قنصلياتها في الصحراء منذ 2020، معظمها دول أفريقية وعربية تسعى لـ “التطبيع” مع الواقع الجديد.
في محاولات أخيرة لـ “إنقاذ الموقف” قبل التصويت، قدّمت جبهة البوليساريو، في 20 أكتوبر، “اقتراحاً موسّعاً” إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
يقول: “نحن نقبل فكرة الحكم الذاتي… شرط أن يُقرّره الشعب الصحراوي في استفتاء يتضمن خيار الاستقلال الكامل أيضاً”. لكن هذا الاقتراح لم يُقبل دولياً. الغرب يرى فيه محاولة “تأخير” وليس تسوية حقيقية. وحذفت الولايات المتحدة أي إشارة له من النص النهائي للقرار.
وأصدرت جبهة البوليساريو بياناً تعهدت فيه بـ “مواصلة النضال التحرري بكل الوسائل الشرعية، بما فيها المسلحة”. هذه لغة تذكّر بـ الحرب الباردة بين الطرفين (1975-1991). وبينما تُجري الأطراف مناورات دبلوماسية، يعيش 173,600 من الصحراويين في مخيمات قرب مدينة تندوف جنوب غرب الجزائر. معظمهم وُلدوا في هذه المخيمات ولم يروا أرضهم قط. 8 من أصل 10 منهم يعتمدون على المساعدات الغذائية.
القرار الأممي الجديد يمثل رغبة الغرب أيضا الذي اختار الاستقرار على حساب مبدأ تقرير المصير الكلاسيكي. حقق المغرب من خلالها قرارا غير مسبوق في سجل الخارجية المغربية. وأدركت معها الجزائر أنها خسرت جزءا يسيرا من القوى الدولية على رأسها أمريكا وفرنسا وإسبانيا.
الملف الذي بدأ عام 1975 قد ينتهي بلا استفتاء، بلا استقلال، لكن بحكم ذاتي موسّع قد يُرضي الجميع أو قد لا يُرضي أحدا.