هوامش
اعتمدت الجمعية في صياغة تقريرها على ما تم تجميعه وتوثيقه من انتهاكات على مستوى فروعها، بالإضافة إلى المتابعة المباشرة لجلسات المحاكمات بواسطة هيئة الدفاع، مع التحقق مما يُنشر في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.
مقاربة أمنية: منع وقمع وترهيب
انطلقت احتجاجات جيل زيد بمبادرة من الشباب الناشط على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق “Discord” يوم 27 شتنبر، على خلفية وضع اقتصادي واجتماعي متأزم وسخط متراكم في المغرب. وحملت هذه الحركة على عاتقها مواجهة الفساد والنضال ضد “الحكرة” والقهر، والمطالبة بالحق في الصحة والتعليم العمومي الجيد، والشغل والحياة الكريمة.
بالمقابل، سجلت الجمعية أن مقاربة الدولة كانت محسومة مسبقًا، بفرض المنع القبلي على الاحتجاجات السلمية في العديد من المدن. وبدلًا من اللجوء إلى الأساليب القانونية، سارعت الجهات الرسمية إلى محاولة وأد وخنق هذه الحركة، ضاربة عرض الحائط التزامات المغرب بحكم القانون الدولي وحقوق الإنسان والدستور الذي يؤكد على التشبت بحقوق الإنسان.
بعد فشل محاولات المنع، والدعاية الاستباقية، والتشهير في حق النشطاء المبادرين لجأت السلطة إلى أساليب القمع والترهيب، وممارسة الحصار النفسي والجسدي، واحتلال أماكن الاحتجاج. كما تم تسجيل لجوء السلطات إلى الاستعمال المفرط والمتطرف للقوة، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع مبدأي الضرورة والتناسب.
وتجلى هذا العنف في القتل بالرصاص الحي، إذ أفضى التدخل القمعي إلى المس بالحق في الحياة، إذ إن ثلاثة شبان قتلوا بالرصاص الحي من طرف الدرك الملكي، في منطقة القليعة بإقليم إنزكان. وقد تم إطلاق الرصاص على أحدهم من مسافة 70 مترًا تقريبًا، إضافة إلى إصابات الجسيمة، حيث حصلت حوادث دهس لمتظاهرين بسيارات تابعة للشرطة وقوات التدخل السريع بوجدة، مما أدى إلى إصابات بليغة.
ورصدت الجمعية في تقريرها كذلك استعمال القوة المفرط والضرب والرفس والسب والشتم والإهانات، وأحيانًا الاستعانة بأشخاص ومجموعات لا تنتسب للقوات العمومية. كما تعرض الموقوفون لإهانات ومعاملات حاطة من الكرامة الإنسانية.
موجة اعتقالات ومحاكمات جائرة
سجلت الجمعية أن الدولة اتجهت نحو موجة كثيفة من الاعتقالات. فبينما كان قد تم الإفراج عن أغلب الموقوفين في الأيام الأولى (27 و28 شتنبر)، لجأت السلطة بعد ذلك إلى أسلوب الاعتقال المكثف.
إذ تم توقيف أكثر من 2100 شاب وشابة من ضمنهم قاصرون، فيما تم تحريك المتابعة القضائية في حق أكثر من 1400 شخص، ضمنهم حوالي 1000 شخص في حالة اعتقال.
وأبرزت الجمعية أن الاعتقالات كانت تتم خارج الأوقات القانونية، وبواسطة فرق خاصة “كومندوهات” لاقتحام المنازل بدون إذن. كما تم توقيف مواطنين مع أطفالهم، وذكر التقرير حالة رضيع انتزع من أبيه بالقوة.
كما سجلت الجمعية توقيع محاضر الضابطات القضائية تحت الضغط والإكراه والعنف، وانتزاع اعترافات لا أساس لها من الصحة. كما رصدت الجمعية عدم احترام أدنى شروط الاعتقال وتكديس المعتقلين.
ورصدت الجمعية في تقريرها متابعة قاصرين قضائيًا بتهم جنائية. وشملت لائحة الاتهامات الموجهة للقاصرين، وبعضهم لا يتجاوز عمره 14 سنة، تهمًا ثقيلة مثل العصيان والتحريض وحيازة الأسلحة.
كما سجلت الجمعية باستغراب ودهشة السرعة القياسية في إصدار أحكام قضائية قاسية، بلغ مجموعها، حتى 22 أكتوبر الجاري، 240 حالة. ووصلت العقوبات إلى 15 سنة سجنًا نافذًا في حق 4 معتقلين، وتراوحت بين 10 و 12 سنة للبعض الآخر. واعتبرت الجمعية هذه الأحكام بمثابة رسالة لترهيب المحتجين، وأشارت إلى حكم بخمس سنوات سجنًا نافذًا صدر بحق الطالب المجاز محمد بزيغ، بناء على نشاطه الإلكتروني الداعم للحراك.
وأبرز تقرير الجمعية تعرض صحافيين لتضييق واسع، ومنعهم من تغطية الاحتجاجات، حيث تم رصد محاولات نزع كاميرات التصوير. كما لجأت السلطات إلى اعتقال ومتابعة مدافعين عن حقوق الإنسان في محاولة لثنيهم عن واجب الدفاع.
توصيات: فتح تحقيق واحترام القانون والالتزامات الدولية
بناءً على حجم الانتهاكات، أوصت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفتح تحقيق قضائي حر ونزيه في عملية قتل ثلاثة مواطنين بالرصاص الحي في القليعة، وفي حادث دهس شابين بوجدة، وتحديد المسؤوليات، مع الوقف الفوري لكل أشكال المقاربة القمعية والإفراط المستمر في استعمال القوة.
ودعت الجمعية إلى احترام التزامات المغرب الدولية، والقانون المحلي، فيما يخص الحق في التجمع والتظاهر السلمي، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ومن ضمنهم معتقلو حراك الريف و”جيل Z 212″.
كما نادت باعتماد سياسات اجتماعية واقتصادية قائمة على العدالة الضريبية ومكافحة الريع والفساد والاحتكار، والاستجابة لمطالب الشارع المشروعة، وجعل المصلحة الفضلى للأطفال هي الأساس وتمكينهم من التعليم الجيد، وإيقاف متابعة القاصرين قضائيًا بتهم جنائية ثقيلة.