الرئيسية

بورتريه| عزيز غالي.. حقوقي تنقل بين المحن وانتهى في سجون “إسرائيل”

اعترضت قوات البحرية الإسرائيلية، فجر يوم 2 أكتوبر 2025، "أسطول الصمود العالمي" في المياه الدولية واعتقلت أكثر من 450 ناشطاً من 37 دولة، بينهم الحقوقي المغربي البارز عزيز غالي، الرئيس السابق الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ونائب رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان. وبينما أفرجت إسرائيل عن معظم المعتقلين، تواصل اعتقال مغربيين اثنين، هما عزيز غالي وعبد العظيم بن الضراوي.

هوامش

غالي وبن الضراوي أعلنا عن الدخول في إضراب عن الطعام احتجاجاً على الاحتجاز، فيما أثارت الحادثة موجة تضامن واسعة من المنظمات الحقوقية المغربية والدولية، التي وصفت العملية بـ”القرصنة في المياه الدولية” وطالبت الحكومة المغربية بالتدخل لحماية مواطنيها، وسط صمت رسمي مغربي يثير انتقادات حادة. فمن هو عزيز غالي؟ 

في مطلع التسعينات، كان المغرب يئن تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، تميزت بارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب الحاصلين على شهادات جامعية، وكان حلمهم بالشغل يصطدم بواقع مرير. في هذا المناخ المشحون بالإحباط والغضب، كان عزيز غالي، الطالب الشاب في جامعة القنيطرة، يخطو خطواته الأولى في عالم النضال.

من القنيطرة إلى روسيا

انخرط غالي في صفوف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، سنة 1989،بعد 10 سنوات على تأسيسها. كان غالي آنذاك طالبًا في كلية العلوم بالقنيطرة، منتميًا إلى تيار “الطلبة القاعديين” المعروف بـ “طلبة الكراس”، وهو أحد الفصائل الطلابية اليسارية ضمن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

نهاية الثمانينات كانت مفصلية في تشكيل وعيه السياسي والحقوقي. فالمغرب كان يشهد تحولات جذرية في سياق دولي عرف سقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة، أما وطنيا فقد أطلقت دينامية ما سُمي بـ”الانتقال الديمقراطي”. لكن هذا الانتقال كان بطيئا ومتعثرا. 

في بداية التسعينات، توجه غالي إلى روسيا لدراسة الصيدلة، حيث حصل على درجة الدكتوراه في عام 1996. هذه الفترة كانت استثنائية، حيث عاش على وقع انهيار الاتحاد السوفييتي، وولادة عسيرة لنظام جديد،  وهو ما جعل غالي يشهد عن كثب تحولات تاريخية.

في أحد لقاءاته الإعلامية، قال عزيز غالي إن الدراسة في روسيا، في تلك الفترة، لم تكن مجرد تحصيل علمي، بل كانت تربة خصبة لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي، مشيرا إلى أنه التقى هناك طلابا من مختلف أنحاء العالم، وتشبع بأفكار التضامن الدولي والعدالة الاجتماعية التي ستطبع مسيرته اللاحقة.

العودة إلى المغرب.. عودة إلى النصال الحقوقي

بعد عودته من روسيا، لم يكتف غالي بممارسة مهنة الصيدلة، بل واصل انخراطه في العمل الحقوقي والسياسي، وترأس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في القنيطرة مرتين، وأصبح صوتًا مسموعًا في الدفاع عن القضايا الحقوقية المحلية.

وشهدت السنوات الأخيرة من التسعينات، وبداية الألفية الجديدة، تطورات مهمة في المشهد الحقوقي المغربي. فانتقال السلطة من الحسن الثاني إلى محمد السادس، كان مرحلة مهمة، تميزت بشعارات “الانفتاح الحقوقي” و”العهد الجديد”. لكن غالي ورفاقه في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كانوا يتعاملون مع هذه التطورات بحذر، مدركين أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى أكثر من مجرد شعارات وخطابات.

من العراق إلى لبنان.. المعمودية بالنار

بعد إغلاق قوس الانفتاح السياسي في المغرب، وعودة الاعتقالات العشوائية مباشرة بعد الأحداث الإرهابية بالدار البيضاء، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشن حربها ضد العراق. وعندما اجتاحت القوات الأمريكية العراق، قرر الصيدلاني المغربي ترك حياته المستقرة والتوجه إلى بغداد، للعمل في مستشفى “اليرموك”، في مهمة إنسانية لمساعدة الشعب العراقي الذي كان يواجه الغزو والتدمير الأمريكي.

عاش غالي “في بغداد أياماً مريرة”، شاهد فيها “المعاناة الإنسانية في أبشع صورها” كما يحكي. المدينة كانت تحت القصف، المستشفيات تعج بالجرحى، أما النظام الصحي فقد انهار بسرعة. في 12 أبريل 2003، مع سقوط بغداد، اضطر للمغادرة، لكن التجربة تركت فيه أثرا عميقا، وعززت قناعته بضرورة التضامن مع الشعوب المظلومة.

لم تمر سوى ثلاث سنوات حتى وجد غالي نفسه مرة ثانية في قلب حرب أخرى، خلال الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان. بعد يوليوز سنة 2006، توجه إلى جنوب لبنان للعمل في مستشفى “بنت جبيل”، على الحدود الفلسطينية-اللبنانية. المنطقة كانت تتعرض لقصف إسرائيلي مكثف، والوضع الإنساني كان كارثيا.

العمل في بنت جبيل تطلب من غالي شجاعة استثنائية، ومهارات طبية متقدمة. كان عليه التعامل مع إصابات خطيرة في ظروف صعبة، تميزت بنقص في المعدات الطبية، وانقطاع متكرر للكهرباء. وحينها قابل قيادة حزب الله. 

غزة.. في قلب المأساة

بين عامي 2008 و2009، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة المعروف بـ”الرصاص المصبوب”، عمل غالي في مستشفى “العودة”، داخل القطاع المحاصر. كانت هذه المرة الأولى التي يدخل فيها قطاع غزة، ولم يكن مستعداً للصدمة التي ستواجهه هناك.

غزة في تلك الفترة كانت جحيما حقيقيا. القصف الإسرائيلي لا يتوقف، المستشفيات تعمل في حالة طوارئ دائمة، والأطفال والنساء يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا. عاش غالي لحظات لا تُنسى: “عندما ترى طفلاً في السابعة من عمره يفقد ساقيه بسبب صاروخ إسرائيلي، لا يمكنك أن تبقى محايداً”، سيقول لاحقاً في إحدى المقابلات.

عاد عزيز غالي، مرة أخرى، إلى غزة عام 2014، خلال عدوان “الجرف الصامد”، وهو ما عمق فهمه لحجم المأساة الفلسطينية، وأكد قناعته بأن ما يحدث في فلسطين ليس مجرد “نزاع” بل “إبادة جماعية منهجية”، لذلك سيواصل الدفاع عنها بعد عودته إلى المغرب.

ولم تقتصر التزامات غالي الإنسانية على المنطقة العربية؛ إذ شارك في الاستجابة الدولية لزلزال هايتي المدمر، وعمل في ليبيريا خلال انتشار وباء إيبولا. وهي الفترة التي واجه فيها تحدياً من نوع مختلف. لم يكن الأمر متعلقاً بالحرب والقصف، بل بعدو خفي وقاتل، الخوف كان يسيطر على الجميع، والعمل الطبي يتطلب احتياطات صارمة ونفسية قوية للتعامل مع الموت اليومي. هذه التجارب وسعت من أفق غالي الإنساني وعمقت من فهمه لطبيعة الأزمات الدولية وآليات الاستجابة لها.

الصعود إلى قيادة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان

يوم 28 أبريل 2019، وفي أجواء متوترة سياسيا، انتُخب عزيز غالي رئيساً للجمعية المغربية لحقوق الإنسان خلفاً لأحمد الهايج. الانتخاب جاء في ظروف حساسة، إذ كان المغرب يشهد تضييقاً متزايداً على الحقوقيين، بينما جراح حراك الريف لا تزال مفتوحة، والعديد من النشطاء خلف القضبان.

السلطات حاولت عرقلة المؤتمر حتى اللحظة الأخيرة، ولم تمنح الترخيص باستغلال قاعة عمومية، إلا قبل يومين من انعقاده. نجحت الجمعية في عقد مؤتمرها ببوزنيقة، وحاز غالي حينها على ثقة الأعضاء الـ 95 في اللجنة الإدارية. وفي خطابه الأول رئيسا للجمعية كان واضحا: “لن نساوم على حقوق الإنسان، ولن نخضع للضغوطات مهما كان مصدرها. دورنا هو الدفاع عن المعتقلين والمهمشين، وهذا ما سنفعله”.

ظهر عزيز غالي كخبير صحي على المستوى الإعلامي خلال جائحة كوفيد-19، حيث استفاد من تكوينه الصيدلي وخبرته الطبية، ليصبح أحد أبرز المتحدثين في تلك الفترة، من خلال مقابلات وحوارات صحافية، ومع حاجة المغاربة الماسة للمعلومة الصحية الموثوقة في ظل الذعر من الوباء، وجد غالي نفسه مدعوًا بانتظام إلى الحوارات لتقديم التحليلات العلمية والتوضيحات الطبية. 

لقاءاته الإعلامية حول تطور الفيروس، واللقاحات، والسياسات الصحية الحكومية حظيت بمتابعة واسعة ومشاهدات كبيرة، خاصة عندما انتقد بصراحة إدارة الأزمة الصحية، واتهم الحكومة بـ”استغلال الجائحة لإحكام قبضتها الأمنية”. 

هذا الحضور الإعلامي المكثف والمؤثر، خلال فترة حرجة في تاريخ المغرب المعاصر، وضعه في موقع مثالي ليعطي المزيد من الإشعاع للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حيث جاء “في الوقت المناسب” ليقود المنظمة الحقوقية الأكبر في البلاد.

متاعب بسبب المواقف

تزامن تولي غالي مهمة رئاسة الجمعية مع تصاعد القمع السياسي في المغرب. حيث كان على الجمعية متابعة ملف حراك الريف، ومعتقلي الحراك، ناصر الزفزافي ورفاقه الذين  يقضون أحكاما بالسجن تصل إلى 20 سنة، إضافة إلى استهداف الصحافيين بالمضايقات والاعتقالات.

لكن التحدي الأكبر الذي واجه غالي جاء من موقفه حول قضية الصحراء، والذي عبر عنه في تصريحات صحافية جريئة أثارت حوله عاصفة سياسية وإعلامية حقيقية، واعتبره الكثيرون تجاوزاً لـ”الخطوط الحمراء” في السياسة المغربية، بل بلغ الحد بالبعض إلى تخوينه.

غالي لم يلطف تصريحاته، بل عاد أكثر من مرة لتأكيد موقفه: “النزاع في الصحراء غير محسوم كما يروج له النظام المغربي، والحل يجب أن يكون تفاوضياً بين طرفي النزاع (المغرب وجبهة البوليساريو)”.

https://www.youtube.com/shorts/C4sZ2jm5j4U

هذه التصريحات فتحت عليه نيران الانتقادات من مختلف الجهات. الإعلام الموالي للسلطة شن عليه حملة تشهير واسعة، واتهمه بـ”خدمة أجندات مشبوهة” و”تلقي دعم من جهات خارجية معادية للمغرب”.

تفاقمت الأزمة مع الوقت، وشهد العام 2024 موجة انتقادات جديدة، خاصة بعد تصريحاته حول الصحراء. البعض اتهمه بتحويل الجمعية من منظمة حقوقية إلى منبر سياسي لخدمة أجندات خاصة. لكنه تشبث بموقفه إلى أن غادر رئاسة الجمعية، خلال المؤتمر الأخير بعد قضائه ولايتين على رأسها، وهو ما يسمح به القانون الأساسي. 

محنة أخرى.. غالي أسيرا لدى الاحتلال الإسرائيلي

في أكتوبر 2025، اتخذ عزيز غالي قراراً سيضعه في قلب العاصفة الدولية. شارك في “أسطول الصمود العالمي”، تلك المبادرة الإنسانية الطموحة التي ضمت أكثر من 450 ناشطاً، من 37 دولة، بهدف كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

لم تكن هذه مجرد مهمة إنسانية بالنسبة لغالي، بل كانت امتداداً طبيعياً لمسيرته الطويلة في التضامن مع الشعب الفلسطيني. كان قد عمل في غزة من قبل، وشاهد المعاناة عن كثب، وها هو الآن يحاول العودة إليها حاملا المساعدات والأمل.

في الساعات الأولى من يوم 2 أكتوبر 2025، اعترضت بحرية الاحتلال الإسرائيلي أسطول الصمود في المياه الدولية، على بعد 70 ميلا بحريا من غزة. العملية كانت عسكرية بحتة: كوماندوز إسرائيليون مدججون بالسلاح، يقتحمون سفناً مدنية تحمل مساعدات إنسانية.

شهود عيان وصفوا المشهد بأنه “قرصنة في المياه الدولية”. قوات الاحتلال الإسرائيلي دمرت أجهزة الاتصال قبل الاقتحام لمنع البث المباشر، ثم اعتقلت جميع المشاركين ونقلتهم قسراً إلى إسرائيل، وضمنهم غالي ومعهم مغاربة آخرون.

“ما حدث في السجون الإسرائيلية يفوق الوصف”، تقول مصادر متطابقة. النشطاء المعتقلون، بينهم غالي، تعرضوا لتعذيب منهجي، ومعاملة مهينة، عبر الحرمان من الماء لأكثر من 32 ساعة متواصلة، في محاولة لكسر إرادة المعتقلين، والحرمان من النوم بإيقاظهم كل ساعتين والإذلال الجسدي بإجبارهم على الركوع لمدة طويلة تفوق خمس ساعات، مع ربط أيديهم بأسلاك بلاستيكية.

أيوب الحبراوي، أحد المشاركين المغاربة الذين أُفرج عنهم، وصف المعاملة بالقول: “كان الأمر أسوأ بالنسبة لنا كعرب من شمال إفريقيا – تونسيين، جزائريين، مغاربة – لقد استهدفونا تحديداً. عاملونا كأعداء، وليس كناشطين إنسانيين”.

التقارير التي تسربت من سجن “كتسعيوت” في صحراء النقب تكشف عن معاملة وحشية. المعتقلون وُضعوا في “أقفاص حيوانات”، كل 15 شخصا في زنزانة مخصصة لخمسة أشخاص. 

الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ لم تسلم من التعذيب: “سحبوا غريتا الصغيرة من شعرها أمام أعيننا، وضربوها، وأجبروها على تقبيل العلم الإسرائيلي. فعلوا بها كل ما يمكن تخيله، كتحذير للآخرين”.

رغم اتفاقيات التطبيع بين المغرب وإسرائيل، فإن المشاركين المغاربة تعرضوا لمعاملة أسوأ من غيرهم. يونس آيت ياسين، الصحفي المغربي المشارك، قال: “عندما علموا أنني مغربي، قيدوني وضربوني ووضعوني في شاحنة مثلجة لست ساعات. أوضحوا لي أن تطبيع حكومتنا لا يعني شيئاً. بالنسبة لهم، ما زلنا أعداء”.

رغم كل ما تعرض له، بقي عزيز غالي وزميله عبد العظيم بن الضراوي، في الاعتقال لفترة أطول من الآخرين. السبب، حسب المصادر الحقوقية، كان “انتقامياً” بسبب مواقفهما المناهضة للتطبيع مع “إسرائيل”.

المعلومات المتضاربة حول ظروف بقائهما في الاعتقال تثير القلق. فقد كشف الناشط أيوب حبراوي، في شهادة مؤثرة، تفاصيل اعتقاله إلى جانب عزيز غالي داخل سجن “كتسعيوت” الإسرائيلي، مؤكدًا غياب أي تدخل رسمي مغربي خلال فترة الاحتجاز، خلافًا لما حاولت بعض المنابر الإعلامية ترويجه.

وأوضح حبراوي أنه لم يزرهم أي مسؤول مغربي، وأنهم عند وصولهم إلى تركيا بعد الإفراج عنهم، لم يجدوا أي ممثل من المصالح القنصلية المغربية في استقبالهم، على عكس الوفود الأخرى التي حظيت بمواكبة قنصلية كاملة.

تضامن دولي وصمت رسمي مغربي

الموقف الرسمي المغربي كان محل انتقاد واسع من المنظمات الحقوقية. بينما تحركت حكومات أخرى لضمان عودة مواطنيها، بقيت الحكومة المغربية صامتة. الرئيسة الحالية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، سعاد البراهمة، طالبت “الحكومة المغربية بتحمل مسؤوليتها في السعي للإفراج عنه، كما فعلت حكومات دول أخرى تجاه مواطنيها”.

المنظمات الحقوقية المغربية والدولية أطلقت حملة تضامن واسعة. منظمة “ترانسبيرنسي المغرب” وصفت الاعتقال بأنه “انتهاك صارخ لقوانين حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي”. وطالبت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH بإطلاق سراح نائب رئيسها

الأحزاب السياسية المعارضة في المغرب، بدورها انضمت إلى حملة التضامن. الحزب الاشتراكي الموحد حمّل “الحكومة المغربية مسؤولية عدم تدخلها لحماية مواطنين مغاربة اختطفوا واحتجزوا في سجون الكيان الصهيوني”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram