الرئيسية

ليلة دامية في سوس.. مواجهات ورصاص يخلف قتيلين بجماعة القليعة

شهدت مدينة القليعة، ضواحي إنزكان أيت ملول جنوب غرب أكادير، مساء الأربعاء، مواجهات عنيفة بين محتجين وقوات الدرك الملكي أسفرت عن مقتل 3 أشخاص، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.

هوامش

قالت السلطات إن الضحايا سقطوا أثناء محاولة مجموعة من المحتجين اقتحام ثكنة للدرك الملكي “للاستيلاء على أسلحة وذخيرة”، ما دفع قوات الأمن إلى استخدام الرصاص الحي بعد تصاعد أعمال العنف.

تطور الاحتجاجات

شهدت جهة سوس ماسة، التي التحقت بالاحتجاجات مساء الأربعاء الماضي، أعنف سيناريو للأحداث منذ اندلاع احتجاجات “جيل زد 212” قبل خمسة أيام، حيث قُتل شخصان بالرصاص الحي قرب مركز الدرك الملكي بجماعة القليعة (7 كيلومترات عن ايت ملول)، في تطور دراماتيكي للاحتجاجات الشبابية التي تطالب بإصلاح منظومتي الصحة والتعليم.

وقعت المواجهة الدامية قرب تقاطع الطريق الوطنية رقم 1 مع شارع محمد الخامس والطريق الجهوية R114 وسط جماعة القليعة، التابعة لعمالة إنزكان ايت ملول. وتجمع عشرات الشباب أمام مركز الدرك الملكي مرددين شعارات احتجاجية، قبل أن تتطور الأحداث إلى إضرام النار في سيارة تابعة للدرك.

المشاهد والمقاطع المصورة، المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر سقوط ضحيتين خارج مبنى مركز الدرك، بينما تظهر تسجيلات من كاميرات المراقبة داخل وخارج مركز الدرك، هجوم مجموعات ملثمة قامت بانتزاع البوابة الحديدة المسيجة ودخلت إلى المركز فيما تظهر لقطات رجل درك يصوب ببندقية لم نتحقق من طبيعة مقذوفاتها.

وأظهرت المقاطع محاولات متظاهرين إشعال النار أمام بوابة مبنى العمالة، خلفه تدخل أمني باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات، قبل أن تنتهي الأحداث أمام مقر الدرك باستعمال الرصاص الحي، الذي خلف قتلى وجرحى. وانسحبت القوات العمومية من المنطقة في ساعات متأخرة من الليل بعد مواجهات عنيفة سقط فيها ما لا يقل عن 5 أشخاص بين قتيل وجريح.

 

بين الحوار والقبضة الأمنية

واجهت السلطات المغربية الاحتجاجات بمقاربة أمنية مشددة، حيث أعلنت وزارة الداخلية اعتقال أكثر من 409 شخص منذ بداية الأحداث، وأفادت بتسجيل 286 إصابة في صفوف عناصر القوات العمومية، التي استخدمت الغازات المسيلة للدموع والهراوات لتفريق المتظاهرين في مختلف المدن المغربية.

وعقدت رئاسات أحزاب الأغلبية الحكومية اجتماعا طارئا برئاسة عزيز أخنوش، يوم 30 سبتمبر، أصدرت بعده بيانا أكدت فيه “حسن إنصاتها وتفهمها للمطالب الاجتماعية، واستعدادها للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها”. غير أن هذا البيان لم يحقق التهدئة المرجوة، إذ تواصلت الاحتجاجات بل وتصاعدت حدتها.

وشهدت الأيام الماضية حملة اعتقالات وصفتها المنظمات الحقوقية بالعشوائية، طالت قاصرين وصحافيين ونشطاء سلميين، وصفتها في تدوينة على فايسبوك المحامية والناشطة الحقوقية، سارة سوجار بأنها “لم تكن تستند إلى أي مبرر قانوني واضح، بل إلى ما يشبه ‘profilage’؛ إذ جرى توقيف شباب فقط بسبب لباسهم، سنهم، أو مظهرهم الخارجي. شوارع وأزقة تحولت إلى مصائد، حيث صار المظهر وحده قرينة للاعتقال. وهذا، في جوهره، جريمة مكتملة الأركان وفق القانون الدولي”.

ودعت منظمة العفو الدولية (أمنستي)، في بيان لها، السلطات المغربية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفية احتجاجات “جيل زد”، معتبرة أن معظمهم لم يقترفوا سوى ممارسة حقهم المشروع في التعبير والتجمع السلمي. وأعربت المنظمة عن قلقها إزاء الاستخدام المفرط للقوة وعمليات التوقيف التعسفي التي طالت نشطاء وصحافيين ومواطنين شاركوا أو غطّوا المظاهرات. كما شددت على ضرورة احترام التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، وفتح حوار جاد مع الشباب المحتج، لمعالجة المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى الشارع.

 الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ندّدت بدورها  بما وصفته “العنف المنهجي” ضد المتظاهرين، مؤكدة أن الدولة لا يمكنها التعامل مع مطالب اجتماعية ملحة بنفس العقلية الأمنية.

ولقيت حادثة دهس شاب في مدينة وجدة بواسطة سيارة شرطة، موجة غضب عارمة، خاصة بعد انتشار الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، ما زاد من حدة التوتر بين المتظاهرين والقوات العمومية.

وتحولت بعض الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف وتخريب، شملت اقتحام مقار حكومية، وحرق سيارات، وتكسير واجهات محلات تجارية.

وفي مدينة جرسيف، شهدت الشوارع مشاهد عنف واسعة، بينما حاول محتجون في تارودانت اقتحام مقر العمالة.

وعرفت مدينة مراكش مسيرة احتجاجية، بشارع آسفي، دامت نحو ساعة، عبر فيها المحتجون عن مطالبهم بإصلاح قطاع الصحة والتعليم، ومحاسبة الفاسدين، دون أن تشهد المسيرة أعمال عنف أو تخريب، ولكن بالتزامن معها وفي الجهة الأخرى للمدينة الحمراء، كانت المشاهدة مختلفة وصادمة.

في حي سيدي يوسف بن علي، أكثر أحياء العاصمة السياحية للبلاد اكتضاضا وتهميشا، تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف، أحرق فيها المتظاهرون السيارات، واقتحموا المؤسسات البنكية، وأضرموا النار في مركز للشرطة. 

وتحول الاحتجاج إلى مواجهات استعملت فيها الحجارة وقنينات الغاز، بينما لجأت عناصر الأمن إلى استخدام المدرعات وخراطيم المياه، والقنابل المسيلة للدموع، دون أن تتمكن من احتواء الوضع. واستمرت المواجهات إلى الساعات الأولى من صباح اليوم. ومع طلوع الشمس انكشف هول ما وقع: بنايات محترقة، وسيارات متفحمة، وزجاج واجهات محلات ومؤسسات بنكية مهشم.

هذا التصعيد دفع رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران للتدخل ليلا، بنداء عبر فيديو دعا فيه شباب “جيل زد” للهدوء، محذراً من “الانفلات الأمني الذي لا تحمد عقباه”. كما طالب الشباب بـ”إصدار أمر التوقف عن الاحتجاج حتى لا ندخل لمسلسل العنف والعنف المضاد”.

وعقدت لجنة القطاعات الاجتماعية، بمجلس النواب، اجتماعا مطولا استمر 10 ساعات متواصلة، انطلق يوم الأربعاء 1 أكتوبر 2025 على الساعة السابعة مساء، وانتهت أشغاله في الخامسة صباحا من يومه الخميس 2 أكتوبر 2025، بحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية، وجرى بثه بشكل مباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وخصص هذا الاجتماع لمناقشة “الوضعية الراهنة للمنظومة الصحية والتدابير المتخذة من أجل تسريع تنزيل إصلاحها لضمان حق المواطنين في العلاج والرعاية الصحية”، بطلب من الفرق والمجموعة النيابية، وجه خلاله البرلمانيون انتقادات عميقة للمنظومة الصحية في المغرب.

وكان الشعار الأبرز الذي رفعه المتظاهرون في مختلف المدن “ما بغيناش كأس العالم.. الصحة أولاً!” في إشارة واضحة إلى استياء واسع من سوء الخدمات الصحية، وغياب تحديد الأولويات في برامج الحكومة الحالية، خاصة بعد وفاة ثماني نساء حوامل في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، والتي اعتُبرت الشرارة التي أشعلت موجة الغضب.

اعتقالات واسعة وانتقادات حقوقية

عقب هذه الأحداث، شنت السلطات حملات اعتقال وُصفت من قبل منظمات حقوقية بـ”العشوائية”، شملت أكثر من 400 شخص، بينهم قاصرون وصحافيون. وأُفرج لاحقاً عن بعض الموقوفين، فيما تمت متابعة العشرات بتهم تشمل التخريب والحرق العمد.

من جانبها، اعتبرت منظمات حقوقية أن الاعتقالات غير قانونية، منددة باستخدام القوة المفرطة التي تسببت في إصابات خطيرة، بينها حالات بتر للأطراف.

وزارة الداخلية المغربية أكدت أنها اتخذت “إجراءات لحماية النظام العام” مشددة على ضبط النفس، بينما أعلنت النيابة العامة رسميا وفاة شخصين أثناء محاولة اقتحام ثكنة للدرك.

واعتبرت الحكومة، خلال اجتماعها الطارئ، أن القوات العمومية قامت بما وصفته بـ”التدخل المتوازن”، وأبدت استعدادها للحوار دون تقديم تنازلات ملموسة. هذا الموقف أثار انتقادات من المعارضة ومن الحركة الشبابية “جيل زد 212″، التي اعتبرت أن الاجتماعات لم تقدم حلولا عملية للأزمة. 

ورغم تدهور الوضع الأمني، أكدت حركة “جيل زد 212” في بياناتها على مواقع التواصل الاجتماعي تمسكها المطلق بسلمية التحركات، نافية أي علاقة لها بأعمال العنف والتخريب. ودعت الحركة أنصارها لرفض الاستفزاز وعدم الانجرار وراء العنف، مشددة على أن هدفها الوحيد هو المطالبة بالحقوق المشروعة في الصحة والتعليم. وأعلنت عن قرارها بالتظاهر اليوم الخميس للمرة السادسة على التوالي.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram