الرئيسية

“فزاعة جيراندو”… كيف قاد برنامج حواري محلفا قضائيا إلى جناح الإرهابيين؟

كيف انتقل يونس بوبكري من خبير قضائي مبلّغ عن الفساد إلى متهم داخل جناح الإرهاب؟ وما محل هشام جيراندو في القضية ؟ ولماذا تُعتبر قضيته خطيرة إلى حدّ حرمان عائلته من أبسط حقوقها في زيارته؟ تساؤلات تكشف لأول مرة مأساة إنسانية داخل صراع أوسع يتداخل فيه القانون، وحرية التعبير، بالسياسة والأمن والتشهير والابتزاز.

مروان السبتي I *يُنشر هذا التقرير بالتعاون بين رصيف22 وهوامش ميديا.

لم يكن يتخيّل أن خطواته الهادئة نحو مخفر الشرطة في أكادير، ستقوده إلى أبواب سجن عكاشة في الدار البيضاء، ثم إلى جناح المعتقلين على خلفية تهم متعلّقة بالإرهاب في سجن سلا. الرجل الذي عرفته المحاكم خبيراً قضائياً محلّفاً لدى محكمة الاستئناف، وجد نفسه فجأةً خلف القضبان، ليس شاهداً أو خبيراً، بل معتقلاً على خلفية قضايا “تشهير، وإهانة، وابتزاز”.

في عزلة تتجاوز حدود التهمة، يقضي الخبير القضائي المغربي، يونس بوبكري، عقوبته بعد الحكم عليه بسنتين ونصف سنة سجناً نافذاً في سجن سلا، غير بعيد عن العاصمة الرباط، قبل تخفيضها إلى سنتين في مرحلة الاستئناف. 

كيف انتقل بوبكري من خبير قضائي مبلِّغ عن الفساد إلى متهم داخل جناح الإرهاب؟ وما علاقة هشام جيراندو بالقضية؟ ولماذا تُعدّ قضيته خطيرةً إلى حدّ حرمانه من أبسط حقوقه؛ زيارة عائلته؟ تساؤلات نسعى في هذا التقرير إلى الإجابة عنها عبر تسليط الضوء على تفاصيل تُكشف لأول مرة وتفضح فصول هذه المأساة الإنسانية التي يتداخل فيها القانون، وحرية التعبير، بالسياسة والأمن والتشهير والابتزاز.

ضحية “قضاء تحت المجهر”؟ 

“مرحباً أستاذ هشام، وأشكرك مرةً أخرى على الاستضافة وما قمتم به في إطار التوضيح، أو المساهمة في تصحيح الاختلالات التي ربما نعيشها في بلادنا في عدد كبير من المجالات، بما فيها المؤسسة القضائية التي لها دور مهم وكبير… والتي يقولون إنها تساهم في الإنصاف والعدل…”؛ هكذا بدأ بوبكري حواره على قناة “تحدّي”. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت مأساته التي تحكيها زوجته مريم بمرارة. 

بدأت القصة على منصّة يوتيوب، حين تحوّلت قناة يوتيوبر مغربي يعيش في كندا، يُدعى هشام جيراندو، خلال بضعة أشهر، إلى منصّة مفتوحة تنشر معلومات حسّاسةً عن بعض المسؤولين البارزين، في عالم المخابرات أو الأمن والسجن، أمام مئات الآلاف من المتابعين (824 ألف مشترك، بمجموع يناهز 500 مليون و589 ألف مشاهدة وقت نشر هذا التقرير).

في وقت قصير، تحوّلت قناة “تحدّي” إلى ما تعدّه السلطات المغربية خطراً حقيقياً. فقد أقدمت مطلع آذار/ مارس 2025، على اعتقال أربعة من أقارب جيراندو، بينهم طفلة تبلغ من العمر 15 عاماً تُدعى “ملاك”، إلى جانب والدتها واثنين آخرين من العائلة. وأصدرت المحاكم المغربية حكماً غيابياً ضد جيراندو بالسجن 15 سنةً نافذةً، بتهم تتعلّق بـ”تكوين عصابة إرهابية”. في حين أدانته المحكمة العليا في كيبيك بالسجن والغرامة في قضيتَي تشهير، بسبب مقاطع مصوّرة على منصّة يوتيوب. بعد ذلك، هدّد جيراندو بالدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، ويواصل في الوقت الراهن تسريب المزيد من المعلومات الحسّاسة.

في الكواليس، شنّت السلطات المغربية حملةً لـ”تجفيف مصادر” هشام جيراندو، شملت اعتقالات لمقرّبين ومعارف، وحتى لأشخاص صرّحوا في إفاداتهم، أثناء التحقيق بأنهم لا تربطهم أي علاقة مباشرة به، في ما يبدو أنها محاولة لعزله عن أي دعم، أو مصادر معلومات داخل المغرب.

اللافت أنّ نائب الوكيل العام للملك أفاد، في بيان بتاريخ 3 آذار/ مارس 2025، بأنّ القبض على خمسة من أفراد عائلة جيراندو، ومتابعتهم قضائياً، جاء بناءً على شكاية من سيدة وعائلتها بعدما تعرّضت لـ”التشهير والتهديد والابتزاز” عبر تطبيق واتساب، مبرزاً أنّ الفتاة القاصر وعمرها بحسب ما يفيد يناهز 15 عاماً جرى تحويلها إلى أحد مراكز رعاية الطفولة. لكن مصدراً مطلعاً أخبر معدّ التقرير بأنّ السلطات نقلت الطفلة إلى مركز الرعاية بسبب الضغط الإعلامي والشعبي عقب تداول أخبار توقيفها.

تواصلت الاعتقالات وأصدرت محكمة عين السبع، أحكاماً بالسجن على متابَعين في ملف جيراندو، فيما وجد المبلّغ عن الفساد والمحلّف القضائي، يونس بوبكري، نفسه معتقلاً أيضاً بعد ظهوره في بث مباشر عبر قناة جيراندو بعنوان “قضاء تحت المجهر”. هذا الظهور كان مكلفاً، فقد قاده إلى أحلك جناح في سجن سلا.

ما كشف عنه بوبكري في هذا الحوار لم يكن جديداً، إذ سبق له أن تحدّث عن التجاوزات نفسها، وهو المعروف بنشاطه في التبليغ عن الفساد داخل قطاعَي القضاء والتأمين، حيث ظهر في أكثر من مناسبة عبر مقاطع مصوّرة، أو تصريحات صحافية، يتحدّث فيها عن خروقات، دون أن تطاله أيّ ضغوط مكشوفة. الفارق هذه المرة كانت المنصّة -“قناة تحدّي”- على يوتيوب، التي وُصفت في محاضر الشرطة بأنها “معادية للمملكة” و”للمؤسسات الدستورية”.

ما رآه الناشط مجرّد تبليغ عن الفساد، عبر برنامج حواري، تحوّل إلى صكّ اتهام وعدّته المحكمة “إساءات”. 

توجّه بقدمَيه إلى مقرّ اعتقاله 

في 12 تموز/ يوليو 2024، أوقفت الشرطة بوبكري بشكلٍ مفاجئ، وهو “يقضي مصالحه الإدارية” داخل ولاية الأمن، حيث تقدّم إلى المصلحة كما لو كان يُسلِّم نفسه.

“بتاريخ 2024/07/12 حضر المسمّى ‘يونس بوبكري’ إلى ولاية أمن أكادير من تلقاء نفسه رفقة أحد أصدقائه من أجل قضاء أغراض شخصية تَهمّه. فتم إيقافه بعد تنقيطه (التعرّف عليه) بالناظم الآلي الممسوك لدى المديرية العامة للأمن. وتمت إحالته على هذه الفرقة، وتم إخضاعه لبحثٍ معمّق”، يقول عميد شرطة في محضر استماع لبوبكري، رفعه إلى نائب وكيل الملك، وفقاً للأبحاث التي أجراها المكتب المكلّف بمكافحة الجريمة الإلكترونية التابع للشرطة القضائية. لم “يصله أي استدعاء رسمي”، تؤكد زوجته مريم.

لم تُمهل الشرطة عائلته وقتاً لتستوعب النبأ، إذ نُقل مباشرةً إلى الدار البيضاء للتحقيق التفصيلي في حالة اعتقال، تاركاً زوجةً حبلى وطفلةً صغيرة. تعطّلت عقارب الزمن بالنسبة للأسرة التي تقطن في مدينة أكادير. أُخبِرت زوجته الحامل بأنّ زوجها اقتيد بعيداً عن المدينة. “لقد رحّلوه من مدينة أكادير إلى مدينة الدار البيضاء دون إعلامنا”، تقول الزوجة.

توقعت زوجته أن يُرحّل بعد الحكم إلى سجن قرب مقر سكنه، لكنه نُقل إلى سجن بعيد، ولم تعرف عائلته مكانه لمدة 15 يوماً، قبل أن تُخبَر بأنّه نُقل إلى سجن سلا دون تمكينه من الاتصال بأسرته. 

تقول مريم: “ظروف سجنه هناك غير قانونية وغير إنسانية… هو محروم من الأغطية والنظافة والتهوية والتطبيب، ويُصفّد أثناء المكالمات والفسحة. كما جرى تقليص مدة مكالماته وزياراته العائلية، في حين تم تجاهل توصية طبية تُلحّ على ضرورة خضوعه لمتابعة نفسية عاجلة”.

خارج أسوار السجن، تتضاعف المأساة. زوجته أمّ لطفلين، أصغرهما لم يتجاوز السنة، لكنها تقطع مسافةً طويلةً تناهز 570 كيلومتراً لزيارته. ”أمشي ليلاً وأعود نهاراً، من أكادير إلى العاصمة الرباط، من أجل زيارة قصيرة جداً”، توضح الزوجة لافتةً إلى أنها لا تتمكّن من القيام بالرحلة سوى مرة واحدة في الشهر، بسبب المشقّة والتكاليف، تاركةً رضيعها عند الجيران يوم السفر. وبسبب حاجة طفلها إلى الرضاعة، تناشد مريم نقل زوجها “إلى أحد السجون القريبة،” حيث “لم يرَ ولدَيه قط منذ ما يفوق السنة”.

رغم هذه الرحلة المُرهِقة التي تتكرّر كل شهر، تؤكد مريم أنه “تواصل تجاهل طلب العائلة بنقله إلى السجن الأقرب إلى محل سكنه… أتمنى أن يُلبّى هذا الطلب لتخفيف الضغط النفسي ويتمكن من رؤية أولاده”. 

اليوم، وبعد أن قضى يونس أكثر من نصف عقوبته، يطالب أصدقاؤه السلطات والهيئات الرقابية بإنصافه، محذّرين من أن يتحول مجرد التعبير عن رأي مخالف، أو الظهور العلني، إلى سبب كافٍ لحرمان أشخاص من حريتهم لسنوات.

زوجة بوبكري تتحدث عن ظروف اعتقاله.

أحد محامي بوبكري، يؤكد أنّه لا يطلب سوى أن يُعامَل كـ”سجين عادي”، مضيفاً أن “معنوياته لا تزال صامدةً، لكنها تذبل بصمت تحت وطأة العزلة الطويلة”.

“تحسنت أوضاعه نسبياً عندما تدخّل المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، تضيف الزوجة، موضحةً أنه “توصّل بصور أبنائه، لكنه لا يزال محروماً من التكوين (أي متابعة الدراسة أو التكوين المهني من داخل السجن)، ومن مراسلة المؤسّسات خارج السجن، ويبقى طلب ترحيله إلى أكادير دون جواب… لماذا لا يريدون ترحليه إلى أكادير؟”. 

وورد في جواب اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط، أنه “إذا كان هناك اكتظاظ في السجن الذي تطلبين ترحليه إليه فلن يتم هناك أي ترحيل”. تقول الزوجة إنها تلقّته في مكالمة هاتفية مع موظّفة في اللجنة الجهوية، بعد مرور شهرين على الشكاية الموجهة للمجلس. “على الأقل نريد جواباً، نحن طلبنا ترحليه لأيت ملول، أو أحد السجون التابعة لأيت ملول التي لا يمكن أن تكون مكتظةً بأكملها”، تعقّب الزوجة.

شكايات بلا جواب 

منذ بداية محنته، وجّهت عائلة بوبكري ما يقارب خمس عشرة مراسلةً إلى المؤسسات، تطالب فيها بفتح تحقيق حول وضعه داخل السجن، وبتمكينه من أبسط حقوقه، وعلى رأسها حقه في الترحيل إلى سجن أقرب إلى محل سكن أسرته، وتحسين ظروف اعتقاله. كما راسلت مندوبية السجون من أجل تحسين ظروف سجنه في سلا، ورفع القيود عنه ومعاملته كـ”سجين عادي”، غير أنّ هذه النداءات، برغم تكرارها وتنوّع الجهات التي وُجّهت إليها، لم تلقَ إلى وقت نشر هذا التقرير أيّ تجاوب رسمي أو خطوات عملية.

 شكايات عائلة بوبكري حول وضعه في السجن 

أما المذكرات التي يوجهها بوبكري إلى الجهات المختصة، وفق ما تقول الزوجة، فلم تلقَ حتى اليوم أي اعتراف قانوني، ومنها عشرات الشكايات التي رفعها إلى المؤسسات الرسمية، و”لم تلقَ بعد مرور عام أي جواب”، وفق أحد المحامين الذين زاروه في السجن خلال شهر آب/ أغسطس 2025. كذلك، لدينا ما يثبت مخاطبة زوجة بوبكري العديد من الجهات المعنية وتسلّم هذه الجهات شكاياتها دون رد.

زوجة بوبكري متحدثةً عن استغاثاتها بشأن وضعه الصحي وظروف سجنه.

تقرير حصلنا عليه، أعدّته لجنة الدفاع عنه، يؤكد أنّ بوبكري لم يُخطَر قط بالإجراءات قبل أن يجد نفسه مطلوباً للعدالة. كما أنه نُقل على عجل إلى الدار البيضاء، بينما جرى توقيفه في الأصل في مدينة أكادير التي يقيم فيها، ليواجه تحقيقاً استند في جوهره “إلى مقاطع فيديو وتصريحات على يوتيوب”. مجرد ظهوره إلى جانب هشام جيراندو في حوار نقدي، كان كافياً وفق المحكمة لوضعهما في الخانة نفسها، أو على أقل تقدير وضع بوبكري في خانة “التواطؤ”، وهو ما تؤكده محاضر الشرطة التي اطلعنا عليها.

القيود المفروضة على بوبكري تتجاوز حدود الحبس العادي فـ”المكالمات والزيارات العائلية جرى تقليصها بشكل تأديبي، فيما حُرم من أي متابعة طبية أو نفسية أوصى بها الأطباء، بعد أن ظهرت عليه أعراض تدهور نفسي بفعل العزلة والإجراءات الصارمة”، يقول مقرّب من الأسرة فضّل عدم كشف هويته نظراً إلى حساسية الموضوع. 

لقد “ظلّ يونس يبعث بمذكرات يطالب فيها بنقله إلى سجن قريب من عائلته، لكن دون جدوى. حتى المجلس الوطني لحقوق الإنسان وعد بالتدخّل، غير أن الوضع لم يتغيّر. في الأيام المقبلة، سأوجِّه طلباً جديداً لنقله إلى أكادير”، يقول أحد محاميه.

إثر اعتقال بوبكري، وهو المنسق الوطني للجنة الخبراء والقوانين، في الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية في المغرب، ورئيس جمعية وسطاء ومستثمري التأمين فيه، أصدرت الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية في المغرب بياناً نددت فيه “بهذا الاعتقال”، وطالبت “السلطات الوصية بإطلاق سراحه، والعمل على تطبيق مقتضيات القانون، والسهر على حماية الحريات”.

“حين اعتُقل كنت في الشهر الأخير من الحمل، لم يرَ قط ولده الذي وُلد لاحقاً، إلا في الصور، بل حتى الصور رفضوا إدخالها إليه في البداية”، تقول زوجة بوبكري.

داخل غرف التحقيق

في أروقة التحقيق، بدت القضية كأنها تتضخّم مع كل سؤال، تتشابك فيها الاتهامات: التشهير، وإهانة موظفين عموميين، وبث وتوزيع ادعاءات كاذبة، ثم امتدت لاتهامات أخطر يُلقي “الإرهاب” بظلاله عليها. 

يوم 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، مثل بوبكري أمام المحكمة وتمسّك بأنه ليس “متهماً بل مُبلّغاً عن الفساد”، وعدّ أن تصريحاته في فيديو “القضاء تحت المجهر”، لا تمسّ الأشخاص في حياتهم الخاصّة، بل تتناول قضايا مرتبطةً بالشأن العام. 

تقول الشرطة القضائية، في محضرها، إنّ بوبكري رفض الإجابة عن كل الأسئلة المطروحة عليه، بما في ذلك هويته، ورفض التوقيع على المحضر.

رفض بوبكري الإجابة عن الأسئلة، وفق محضر الشرطة، بدعوى عدم تسلّمه أي سند قانوني يبرّر توقيفه ونقله من مدينة أكادير. ورأى أنّ نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية الزجرية في الدار البيضاء، المشرف على البحث، لا يملك الصلاحية لإصدار مذكرة بحث في حقه، عادّاً أنّ هذا الإجراء يُخالف الفصل 44 من قانون المسطرة الجنائية. كما شدّد على أن نقله من أكادير إلى الدار البيضاء تم خارج الضوابط القانونية، واصفاً جميع الإجراءات المتخذة في حقه بـ”غير المشروعة”.

لكن حين ووجِه بمقاطع الفيديو المضمّنة في محضر الاستماع، اختار الصمت، وهو حق قانوني يكفله الدستور، بحسب محاميه. غير أنّ هذا الصمت، الذي عدّه فريق الدفاع موقفاً مشروعاً، تحوّل في أعين الشرطة إلى “قرينة إدانة”.

“الصمت لا يعني الاعتراف”، يقول أحد المطّلعين على ملف بوبكري. حين انهالت الأسئلة، وفق اطلاعنا على محضر الشرطة، أجاب: “لم تربطني أي علاقة مع جيراندو”، كلمات مقتضبة حاول من خلالها أن يرسم مسافة واضحة بينه وبين صاحب قناة “تحدّي”.

وأصرّ بوبكري على أنه مجرد خبير قضائي، تُحرّكه الرغبة في كشف الفساد لا أكثر، غير أنّ مساره اتخذ منعطفاً آخر، ليجد نفسه فجأةً وسط قضية أكبر.

التهم وفق محاضر الأمن

تفيد المعطيات الواردة في المحاضر الأمنية وتقارير المحاكمة، أنّ التهم الموجهة إلى يونس بوبكري، تحديداً في شأن الصلة المزعومة بينه وبين هشام جيراندو، استندت أساساً إلى تحليل هاتف موظف في سجن أيت ملول يُدعى هشام.ز، والذي تواصل مع بوبكري وأرسل إليه صوراً ووثائق تخصّ المؤسسة السجنية، من بينها صورة شخصية لمدير سجن “أيت ملول 2”. غير أنّ المحاضر لا تُثبت أن بوبكري هو من أرسل هذه الصورة إلى قناة “تحدّي”، أو أنه تواصل مباشرةً مع جيراندو بهذا الخصوص. لم تتوافر إمكانية إجراء خبرة تقنية على هاتف بوبكري، الذي لم يكن بحوزته يوم الاعتقال. ”قال إنه نسيه في البيت”، وفق محاضر الشرطة.

غياب أيّ إشارات واضحة على علاقة مباشرة بين بوبكري وجيراند،و جعل التهم ترتكز على محتوى شريطين منشورين على منصة يوتيوب، جرى تفريغهما بالكامل من قبل الشرطة، وكانا كافيين -بالنسبة لها- للزجّ باسم الناشط الحقوقي في معركة معقّدة لم يخترها، تؤشّر على تقاطع القانون والسياسة ومراكز النفوذ.

تهم وترحيل خارج القانون؟

“لم تسبق مذكرة البحث الوطنية التي عجّلت بتوقيف يونس بوبكري أي استدعاء رسمي أو إشعار قانوني”، تكرّر زوجته مردفةً: “لكن الشرطة تقول إنها حاولت تسليمه الاستدعاء أثناء تواجده في محكمة الاستئناف ولم يرغب في استلامه”. 

واعتمد الملف القضائي على تفريغ فيديوهات منشورة على يوتيوب، ورسائل عبر “واتساب”، في صفحات عدة تمتد على طول المحضر. هذه العناصر الرقمية أقنعت المحكمة بأنها “قرائن دامغة” على التشهير وإفشاء السرّ المهني.

في المقابل، تمسّكت هيئة الدفاع عن بوبكري بأنّ مسطرة الاعتقال شابتها خروقات واضحة، بدءاً من غياب التبليغ القانوني، وصولاً إلى ظروف النقل والاستنطاق. لكن دفوعاتها جميعها رُفضت. 

“المحكمة قلبت قاعدة افتراض البراءة، وحمّلت المتهم عبء إثبات برائته”، تقول هيئة الدفاع.، التي بالنسبة لها، “صمت بوبكري، الذي يفترض أن يكون ضمانةً دستوريةً، استُعمل كأداة إدانة، في خرق واضح للحق القانوني في التزام الصمت”، كما جاء في تقرير أعدّته لجنة لمناصرته حصل عليه معدّ التقرير.

القضية، كما يرى البعض، لم تقف عند حدود شخص بوبكري، بل عكست صراعاً أوسع حول حرية التعبير في قضايا الفساد.

المحاكمة والدفوعات الشكلية

رأت المحكمة أنّ تصريحات بوبكري حول “فساد القضاء، وانحياز القضاة، وتزوير الأحكام، وتواطؤ الضباط”، تشكّل إهانةً لهيئات منظّمة. وبرغم تمسّك الدفاع بدفوعاته الشكلية، التي طعنت في قانونية الإجراءات، بدءاً من تجاوز مدة الحراسة النظرية، مروراً بعدم الاختصاص و”زورية” المحاضر (أي قابلية الطعن فيها بالزور)، وصولاً إلى خروقات الضابطة القضائية، فإنّ المحكمة رفضت معظمها.

في المقابل، قرّرت محكمة الاستئناف تخفيض العقوبة من سنتين ونصف، إلى سنتين حبساً نافذاً، مبرّرةً ذلك بوضعيته الاجتماعية، وعدم وجود سوابق قضائية. لكنها شدّدت في المقابل على تثبيت الإدانة، مؤكدةً أنّ “المحاكمة العمومية انتصرت للقانون ولمبادئ السلطة القضائية المغربية”.

غير أنّ مقربين من الملف رأوا أنّ الحكم أغفل الطبيعة الحقوقية لأفعال بوبكري، والتي وصفوها بأنها تبليغ عن الفساد ويعدّون ”بوبكري رمزاً لمكافحة الفساد وسجنه يرسل رسالةً مثبّطةً للناشطين ما قد يقلّل من فاعلية المجتمع المدني في مراقبة المال العام”.

وتأتي قضية بوبكري في ظل سياق وطني يتسّم بتضييق متزايد على الناشطين، والإعلاميين، والمدوّنين الذين يكشفون ملفات فساد، أو يتناولون القضاء بالنقد. 

في المقابل، رصدت تقارير محلية ودولية تراجعاً في حرية التعبير على الإنترنت، مع استمرار محاكمة الصحافيين والحقوقيين بالقانون الجنائي بدلاً من قانون الصحافة، كما حدث مع الصحافي حميد المهداوي، واتهامهم بـ”التشهير” بدلاً من التعامل مع أفعالهم باعتبارها ممارسةً صحافية.

وبرغم أنّ القانون المغربي ينصّ على حماية المبلّغين عن الفساد (القانون رقم 37.10/22.01)، إلا أنّ تطبيقه على أرض الواقع يبقى محدوداً، حيث يواجه مناهضو الفساد ملاحقات جنائيةً، وإجراءات عقابيةً، بدلاً من توفير حماية مدنية وضمانات لسلامتهم.

فقد مثَل المحامي رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، أمام المحكمة الابتدائية، في مراكش يوم 19 أيلول/ سبتمبر 2025. 

في المقابل صادق مجلس النواب المغربي، في أيار/ مايو 2025، على تعديلات مثيرة للجدل على مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، والذي يغيّر بنود القانون رقم 22.01 المتعلّق بالمسطرة الجنائية، حيث نصت المادة الثالثة على منع الجمعيات من التبليغ عن جرائم الفساد والمال العام، إلا بطلب من الجهات الرسمية كـ”المجلس الأعلى للحسابات” أو هيئات الرقابة. أما المادة السابعة، فاشترطت على الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، والحاصلة على إذن من وزارة العدل، مرور أربع سنوات على تأسيسها قبل أن يُسمح لها بالتبليغ أو التقاضي في ملفات الفساد.

وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، قال في تصريحات رسمية في البرلمان، إنّ هذا التشريع سيحدّ من الوشايات الكيدية، وحصر التبليغ في الهيئات الرسمية.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram