الرئيسية

من قلب معاناة المزارعين.. هكذا تحول تقنين “الكيف” من فرصة اقتصادية إلى كابوس

أمام دكان مغلق وسط مركز غفساي، التابع لإقليم تاونات، تجلس زهور، سيدة أربعينية، على درج وتستظل بجدار لتفادي أشعة الشمس القوية، وجهها المسْمرّ وتجاعيدها العميقة، يحكون سنوات من الشقاء، فجأة رفعت رأسها وقاطعت حديثنا بنبرة يائسة: "نحن نضيع بسبب التقنين، الوضع أسوأ من قبل، الديون تتراكم علينا، ونعيش على حافة الفقر والجوع نحن وأبناؤنا".

هاجر أريري

الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، يوم 9 غشت المنصرم، الحرارة خانقة داخل الحافلة الصغيرة، التي تصعد ببطء عبر منعرجات ضيقة ووعرة، نحن في طريقنا نحو إقليم تاونات، دائرة غفساي.

رغم صعوبة الطريق، تبدو المناظر من النافذة جذابة: جبال مكسوة بالخضرة، حقول زيتون متفرقة، ومساحات زراعية ممتدة عبر الأفق. ما يسيطر على المشاهد التي تمر أمام أعيننا هو سد الوحدة، أكبر سد في المغرب وثاني أكبر سد في إفريقيا، بسعة تخزين تقارب 3,8 مليار متر مكعب، بارتفاع يبلغ نحو 88 مترا، وطول يناهز 2600 متر، تطغى زرقته على الطريق بين غفساي ووزان. 

كانت هذه بداية رحلتنا نحو غفساي، إحدى المناطق، التي تعيش عصر ما بعد تقنين القنب الهندي. في هذه الرحلة نسعى إلى الوقوف على حقيقة ما غيّره القانون الجديد في حياة الفلاحين، بعيدا عن الخطابات الرسمية والتصريحات السياسية.

حديث يتدحرج ببطء

هنا في غفساي، الشوارع شبه فارغة، لأن اليوم ليس يوم السوق الأسبوعي، طبيعي هذا السكون الذي لا يكسره سوى الباعة والمتسوقون مرة واحدة في الأسبوع. على جانبي الطريق، تمتد بيوت متواضعة، تتكئ على سفوح جبال صامتة بينما تحيط بالمنطقة أراضٍ متموجة أشبه بالهضاب، تحتضن بين منعرجاتها حقول “الكيف” وبساتين الزيتون. 

المشهد يوحي بعزلة ثقيلة، يفاقمها صمت المكان وغياب الحركة، كأن البلدة بأكملها دخلت في استراحة طويلة تحت وطأة الحر. كنا على موعد مع بعض فلاحي المنطقة للحديث عن تجربتهم مع التقنين، وكيف سلموا محاصيل موسمي الحصاد لسنتي 2024 و2025 للتعاونيات التابعة لدواويرهم.

نستند إلى أبواب دكاكين مقفلة كي نتحدث إلى المزارعين، كان الحديث يتدحرج ببطء بيننا، فالمنطقة مازالت مسكونة بهاجس الملاحقات والمتابعات، الأشخاص الذين جلسنا إليهم كانوا يلمحون أكثر مما يصرحون، فجأة قاطعتنا زهور، التي كانت تجلس على درج باب دكان وتستظل بالجدار، كأنها أرادت أن تلقي الخلاصة دفعة واحدة، لذلك قالت بنبرة جازمة: “الوضع أسوأ من السابق، نحن الآن أكثر فقرا وجوعا”.

زهور مزارعة، وزوجة مزارع وأم لثلاثة أطفال، تعمل في زراعة “الكيف” مع زوجها منذ سنين، يقومان باستئجار أرض كل سنة ويعملان فيها معا، اضطرت زهور للعمل وحدها في الحقل حين كان زوجها مبحوثا عنه، إذ أصبحت تزرع وتتولى العمل وحصد المحصول، وتسليمه. 

“كان مدخول المحصول يغطي حاجيات الأسرة، ومصاريف الأرض، وأكثر”، تقول زهور التي تؤكد لنا أن كل هذا انقلب مع انخراطها وزوجها في التقنين، بعدها وجد الزوجان نفسيهما عالقين بين ديون متراكمة ومحاصيل ضاعت دون مقابل. “والآن أصحاب الديون يضغطون علينا لاسترداد أموالهم” تقول المرأة. 

لمواجهة حاجيات الأرض والمصاريف، تضطر زهور للاستدانة، لأنها لا تملك ضمانات أو عقارات تؤهلها للاستدانة من البنك، “هناك ديون تتراكم علينا، إضافة إلى ذلك لدينا مصاريف ثابتة، منها مبلغ إيجار الأرض، واليد العاملة، وتكاليف السقي، ومصاريف الصيانة، فضلا عن الحالات الطارئة كتعطل المضخة أو القنوات وغيرها”، توضح زهور وتضيف أن المداخيل في ظل التقنين لا تغطي شيئا منها.

زهور ليست سوى صوت واحد من بين أصوات كثيرة تخنقها المعاناة في صمت. فقصتها لا تمثل حالة فردية، بل هي صورة لنساء كثيرات في تاونات وما جاورها، عشن سنوات من المطاردة والحرمان، ووجدن أنفسهن اليوم أمام واقع أشد قسوة، محاصرات بالخوف، والهشاشة، وبديون لا تنتهي. 

تقنين القنب الهندي.. الوعود الكبرى

في ربيع 2021، قدمت الحكومة التي كان يقودها حزب العدالة والتنمية، برئاسة سعد الدين العثماني، مشروع القانون 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، بهدف تقنين زراعته واستعماله لأغراض طبية وتجميلية وصناعية.

تمت المصادقة على القانون، ‏في ماي من السنة نفسها، بعد نقاشات طويلة داخل البرلمان، وجدل كاد أن يشطر الحزب الإسلامي، الذي انقسم نوابه بين مؤيد يرى فيه فرصة اقتصادية مهمة، ومعارض يحذر من انعكاسات اجتماعية وأخلاقية.

 بعد أسابيع قليلة نشر القانون في الجريدة الرسمية، ليدخل حيز التنفيذ في غشت 2021، أعقبه تأسيس الوكالة الوطنية (ANRAC)، سنة 2022، باعتبارها هيئة مسؤولة عن تنظيم الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي.

بدأت الوكالة الوطنية لتنظيم الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي (ANRAC) نشاطها رسميا في يونيو 2022، حيث عقدت أول اجتماع لها بقيادة وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عقب المصادقة على تنظيمها وميزانيتها للسنة نفسها. 

أوكل القانون إلى الوكالة مهمة الإشراف على تدبير القطاع، من خلال إصدار تراخيص الزراعة والتسويق والتصدير، إضافة إلى مراقبة سلسلة الإنتاج، ابتداء من إدخال البذور، مرورا بالمعالجة والتسويق، وصولا إلى التصدير.

وفي أكتوبر 2023، تم تعيين الخبير الزراعي، محمد الكروج، مديرا عاما للوكالة، خلال اجتماع مجلس الوزراء بالرباط، بعدما تولى المنصب بصفة مؤقتة منذ شتنبر 2022. ويُعد الكروج من الأطر ذات الخبرة في مجالات الزراعة والتنمية.

 تقنين زراعة القنب الهندي تلقاه المزارعون في البداية بمزيج من الأمل والحذر، أمل بمستقبل جديد يخرجهم من دائرة الخوف والمطاردات، ويمنحهم فرصة العمل تحت الشمس، ويحقق تغييرا على المستوى الاجتماعي، إذ سيزيل عنهم الوصم الذي كان يلاحقهم، خاصة في منطقة محافظة مثل إقليم تاونات، حيث تعتبر زراعة “الكيف” نشاطا حديثا ودخيلا غير مرتبط بالتقاليد الزراعية القديمة. 

نسج مزارعو الكيف أحلاما كبرى بعد إقرار القانون، بالحديث إليهم يمكنك أن تفهم ما يعنيه العمل بشكل قانوني، “نحن الآن نعمل بالقانون، عملنا كله قانوني ورزقنا حلال”، يقول خالد، ملخصا الأثر الاجتماعي للقانون، إذ بوسعهم استعادة الاعتبار داخل مجتمعهم، وتحويل نظرة الناس إليهم، من ممارسين لأنشطة سرية إلى فاعلين اقتصاديين واجتماعيين معترف بهم. 

فضلا عن الأثر الاجتماعي، يشكل الأمان مكسبا مهما، فالتقنين وضع حداً للمطاردات التي عاشها المزارعون لسنوات، وينقل نشاطهم من دائرة غير المشروعية إلى إطار قانوني منظم، الأمر الذي سيخفف من حدة التوتر مع السلطات، ويعزز الثقة بين الساكنة المحلية والأجهزة الأمنية، ويلخص محدثنا ذلك بالقول: “الآن يمكنك أن تعمل دون أن تتوقع بلاغا ضدك، أو أمرا بالقبض عليك، يمكنك العيش دون أن تكون مطاردا طول الوقت”. 

وعلى المستوى الاقتصادي، علّق الفلاحون آمالاً على أن يفتح لهم التقنين باب الخروج من دائرة السوق السوداء، وأن يؤمّن لهم دخلاً مشروعاً، بما يضمن لهم الاستقرار ويحسّن أوضاعهم المعيشية. كانوا ينتظرون أن تتحول زراعة الكيف من عبء يثقل كاهلهم إلى فرصة للاندماج في الدورة الاقتصادية، ووسيلة لخلق فرص شغل وتنمية محليةـ يستفيدون هم وأبناؤهم من ثمارها. 

والآن تسيطر عليهم الحيرة، حيث إنه قبل التقنين كانت تعد زراعة الكيف زراعة مربحة، إذ وفرت للفلاحين على مر السنوات مداخيل مهمة، فبينما استبشروا بتحوّل نشاطهم إلى إطار قانوني يوفّر لهم الاستقرار والاندماج، ظلّ هاجس الربح حاضراً، الكثيرون الآن يخشون أن تحدّ القوانين الجديدة من العوائد المالية التي اعتادوا عليها في السابق.

زراعة الكيف.. شروط صارمة 

‏بعد الشروع في ‏تطبيق قانون “القنب الهندي” ‏رسميا في المغرب، خصوصا في مناطق (‏الحسيمة، كتامة، شفشاون، تاونات)، ‏وبعد ‏العفو الملكي، الذي شمل العديد من ‏مزارعي ‏الكيف في منطقة تاونات ‏بمناسبة عيد العرش لسنة ‏2023، اقتنع العديد من الفلاحين بالانخراط في التقنين، كانت البوادر مبشرة.

تم تأسيس تعاونيات محلية في دواوير المنطقة‏، والآن توجد 11 تعاونية تضم عشرات الفلاحين من الدواوير التابعة لدائرة غفساي، يشرف عليها شباب من نفس الدواوير ومزارعون. تلعب التعاونية دور الوسيط بين الشركات والمزارعين، إذ تتكلف بنقل المحاصيل عبر شاحنة، مخصصة لهذا الغرض، حيث يتم نقل المحصول من الحقول إلى مخازن التعاونية، التي تقوم بتسجيل كمية المحصول المستلمة من كل فلاح، ثم يتم نقلها فيما بعد إلى مخزن بغفساي، قبل توزيعها على الشركات.

حتى يتمكن الفلاح في تاونات، والمناطق المشمولة بالتقنين، من زراعة القنب الهندي بشكل قانوني، عليه بداية أن يكون منخرطا في تعاونية محلية. وتتكلف التعاونيات بتقديم الملفات للوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي، والتي تراجع الطلبات وتمنح التراخيص وفق معايير محددة، ومن بين الشروط أن تكون الأرض قد استُعملت سابقا في زراعة الكيف، وأن يكون الفلاح مقيما في المنطقة نفسها. 

بعد الحصول على الترخيص، يُلزم الفلاح باستعمال البذور المصرح بها فقط، وبتسليم كامل المحصول للتعاونية، التي تتكلف لاحقا بربط العقود مع الشركات المتخصصة في التحويل أو التصنيع. وبهذا الشكل، يصبح الفلاح جزءا من سلسلة منظمة، لكنه يظل، في الوقت نفسه، محكوما بقيود صارمة.

عبد العالي، مزارع من دوار تيسا، جماعة غفساي، ‏يحكي لنا عن تجربته في أول عام ‏من تقنين زراعة القنب الهندي: “كانت شروط ‏التقنين ‏قاسية على‏ الفلاح الصغير، بحيث ‏يجب أن يستعمل ‏بذورا من نوعية جيدة، ‏لضمان جودة النبتة، ‏بدون إعالة أو دعم”، ورغم ذلك استمر في الزراعة لموسم آخر طمعا في تحسن الأوضاع.

بعض التعاونيات هي التي تزود الفلاحين بالبذور، على أن تخصم قيمتها لاحقا من ثمن المحصول، غير أن الوضع يزداد سوءا عندما يتأخر صرف مستحقاتنا”، يضيف عبد العالي. 

البذور بين المحلية و “الرومية”

الأصناف التي تستعمل في زراعة “الكيف” المقنن، ثلاثة أنواع أساسية: المحلية أو ما يعرف أيضا (بالبلدية)، تزرع ابتداء من شهر فبراير إلى أواخر شهر مارس، و يكون حصادها في أواخر شهر يونيو و يوليوز، لا تحتاج إلى السقي كثيرا مقارنة بالأنواع الأخرى، غالبا ما تستفيد من مياه الأمطار وتستطيع الصمود دون سقي متواصل. و”الرومية” السقوية التي غزت السوق بشكل تدريجي قبل سنوات، هناك أنواع منها ما يعرف بـ ( خردالة و الباكستاني) وغالبا ما تستورد من أوروبا، تنافس “البلدية”، وتتميز بمردودية أوفر، لكنها تحتاج رعاية أكبر و سقيا مضاعفا، و أخيرا الأصناف الهجينة، مثل  (كريتيكال و أمنيسيا)، كريتيكال وهو الشائع في حقول تاونات، وهي بذور مصنعة تم تطويرها في هولندا، يزرع هذان الصنفان في فصل الصيف، ويتطلبان كميات كبيرة من الماء، تناهز 3 إلى 5 أضعاف كمية الماء التي تستهلكها “البلدية”، إضافة إلى خطرها على البيئة، وتلوث التربة الذي تفاقم بسبب المواد الكيماوية.

حصد الفلاحون أول غلة بعد التقنين في موسم يونيو 2024، وسلموا أول دفعة من محاصيل “البلدية”، لاحقا سلموا محاصيل “الرومية”، التي يتم حصادها في أكتوبر ونونبر، لكن أول مشكلة واجهوها هي التوصل بمستحقاتهم، مع مرور الوقت لم يتوصل بعضهم سوى بجزء بسيط من ثمن المحاصيل، بينما لا يزال آخرون ينتظرون استلام دفعاتهم كاملة لسنة 2024.

حميد، رجل خمسيني، كان من أوائل مزارعي القنب الهندي في المنطقة، إلى جانب أخيه الأكبر، على أرض مشتركة تعود ملكيتها للعائلة في دوار بني زروال، يقول بغضب إنه “بعدما يقارب السنتين من الانخراط في التقنين لم أربح أي شيء، لقد صرفت كل ما لدي لدفع تكاليف الزراعة والحصاد، والآن لازلت أنتظر”.

ويوضح حميد أنه يعيش مما يوفره من أشجار الزيتون التي يملكها على قطعة أرض أخرى، ويعتمد على مداخيل الزيتون في تسديد ديونه وتوفير تكاليف المعيشة، “كنت أجني أكثر من 50 ألف درهم سنويا من الزراعة غير القانونية، اليوم أزرع بتكلفة مضاعفة وأبيع بسعر أقل، والمشكلة الأكبر أنني لم أتوصل إلى الآن بمستحقاتي، مازلنا نطالب بها ولا نتلقى سوى التسويف”، يوضح الرجل.

بالرغم من أن السنة حققت إنتاجا جيدا من القنب الهندي تجاوز 4 آلاف طن، بمردودية متوسطة تصل إلى 20 قنطارا للهكتار الواحد، لم يستفد الفلاح من هذا الإنجاز، بل تورط أكثر في ديون جديدة لأعمال الزراعة في الموسم الموالي، ويؤكد المزارعون الذين قابلناهم أن الحال ازداد سوءا في سنة 2024.

أزمات جديدة وشعور عميق بالضياع والخذلان

لم يتوصل المزارعون على مدى موسمين متتاليين، بمستحقات المحاصيل التي سلموها للتعاونيات، وقد تحملوا تكاليف الزراعة والإنتاج، والآن يواجهون أزمة خانقة، “من أين نأتي بتكاليف البذور والزراعة والسقي والحصاد، إضافة إلى مصاريف المعيشة، وإيجار الأرض؟” تقول زهور بعصبية.

بينما المزارعون يكافحون من أجل الحصول على مستحقاتهم، أو تدبير تكاليف الزراعة في انتظار الفرج، جلب لهم هذا الموسم أزمة غير متوقعة، شبّ حريق في المخزن المحلي، وأتلف كل المحاصيل التي كانت بداخله. 

يوم 17 يوليوز الماضي، شهد حي زريقة بغفساي حريقًا كبيرًا طال المخزن الذي تستخدمه التعاونية لجمع المحاصيل، والتهم ما كان بداخله، وامتد أثره ليشمل محصول أكثر من 11 تعاونية تضم عشرات الفلاحين، من مختلف دواوير منطقة غفساي-تاونات، والآن، تحملهم التعاونية هذه الخسارة. 

أصيب الفلاحون بشعور عميق بالضياع والخذلان، حيث روى بعضهم أن مطالباتهم بالتعويض اصطدمت بعقبات قانونية وإدارية. وقالوا: “حينما طالبنا بتعويضاتنا، قيل لنا تفاوضوا مع مالك المخزن، فالشركة لم تستلم المحاصيل، وبالتالي لا يوجد تعويض. وعندما توجهنا لصاحب المخزن، أجاب: لقد أتلفت جميع المحاصيل في الحريق، ماذا سأفعل لكم؟”، يقول عبد العالي.

ويضيف عبد العالي: “نحن نعرف القانون ونلتزم به، لقد عملنا دائما بطريقة قانونية واحترمنا معايير الجودة التي فرضتها الشركات، رغم أنها كانت على حسابنا، وغرقنا في ديون أثقلت كاهلنا، والآن حينما احتجنا لقانون ينصفنا تركنا لوحدنا، لقد سرقنا بطريقة قانونية، وحين نسأل عن حقنا يقال لنا: ماكتسالو والو.”

ويعقب حميد باحتجاج: “احتراق المخزن ليس خطأنا لماذا نتحمل مسؤوليته؟ لقد عملنا طوال السنة وسلمنا المحاصيل وأصبحت في عهدتهم، حماية المخزون ليست مسؤوليتنا، لدينا ديون، لدينا عائلات، ماذا سنفعل، مصدر رزقنا الوحيد هو الفلاحة كيف سنعيش؟”.

تنص مقتضيات القانون رقم 21-13 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، على أن تؤدي الشركات مستحقات التعاونيات في أجل لا يتجاوز شهراً واحداً من تاريخ تسلم المحصول. ما يعني أن التأخر الذي دام قرابة عام بالنسبة لهؤلاء الفلاحين لا يشكل فقط ظلماً اجتماعياً، بل خرقاً صريحاً للقانون نفسه. 

التأخير دفع ‏ ‏العشرات من الفلاحين، ورؤساء التعاونيات المتضررين، إلى التظاهر ‏يوم 05 ‏غشت الماضي. انطلقت المظاهرة من دائرة غفساي في اتجاه عمالة تاونات، حيث تجمّع العشرات من الفلاحين الذين قرروا كسر الصمت. 

ردد المحتجون شعارات تمجد الملك، وأتبعوها بصرخات تطالب بحقوقهم المادية البسيطة، تلك المستحقات التي لم يتوصلوا بها منذ أكثر من عام. على طول الطريق، كانت أصواتهم واضحة: “عاش الملك… بغينا حقنا… بغينا فلوسنا”.

عبد العالي وحميد، شاركا في المظاهرة: “لقد حاولنا التواصل عدة مرات، سواء مع المسؤولين في الوكالة أو مع رجال السلطة، أو حتى مع صاحب المخزن، لكن في كل مرة كنا نقابل بالمماطلة والتسويف، وكان الغرض من هذه المظاهرة هو الاحتجاج على هذا الظلم، وتسليط الضوء على ما يحدث لنا، والمطالبة بحقوقنا، إذ لم تعد لدينا الطاقة لتحمل المزيد”، يؤكد حميد.

ويضيف: “الوكالة الوطنية استمعت لشكوى المزارعين، لكنها لم تقدم أي حلول، ولم تتدخل لوقف التجاوزات، وتركتنا تحت رحمة صاحب المخزن والشركات، لقد فقدنا الأمل في حماية القانون، وأغلب المزارعين بدأ الندم يتسلل إليهم بسبب التقنين”.

ويعقب خالد الذي أثقلته المصاريف: “الإجراءات القانونية ستأخذ طويلا، فضلا عن مصاريف لا يمكننا تحملها”، بالنسبة له الدخول في مواجهة أشخاص ذوي سلطة ونفوذ تكون دائما مواجهة خاسرة، “نحن الحلقة الأضعف في هذه السلسلة” يضيف بحسرة.

التقنين الحالي يشجع السوق السوداء

مشروع التقنين، الذي كان فرصة لإدماج المزارعين في الاقتصاد الوطني، وتسوية وضعيتهم القانونية، أصبح عبئا يثقل كاهلهم، ويزيد من معاناتهم، “الانخراط في التقنين يبقى خيارًا للمزارع، لكنه بمجرد أن يقرر الانخراط، يصبح ملزمًا بإتمام الالتزامات المترتبة عليه، بما في ذلك تقديم محصوله للتعاونية، حتى لو لم يتلقَّ مستحقاته من السنوات السابقة، هذا ظلم”، يقول حميد.

ما يحدث مع المزارعين الذين اختاروا العمل تحت بنود قانون زراعة القنب الهندي، يثني آخرين عن الإقدام على هذه الخطوة، هذا ما يؤكده توفيق، مزارع من دوار قيطون، الذي يرفض العمل وفق القانون، ويؤكد لهوامش أن السعر الذي حددته الدولة وهو 40 درهما للكيلوغرام الواحد، لا يكفي، بينما تتطلب الزراعة مصاريف باهظة (البذور، اليد العاملة، السقي)، مما يجعل البيع في السوق السوداء مربحا أكثر من العمل تحت ظل القانون.

ويقول توفيق، في حديثه إلينا: “لا أريد أن أنخرط في التقنين لأنه لا يناسبني (ممسلكنيش)، أرى وضعية أصدقائي وما يعانون من تبعاته، هناك الكثير من التلاعبات، والقانون لا يحمي المزارع ولا يضمن حقوقه”.

ويرى محدثنا أن العمل في “النوار” أفضل، رغم المطاردات والمضايقات، “يظل البيع في السوق السوداء مربحا بالنسبة لي، خصوصا مع الإقبال المرتفع من طرف الزبائن الأجانب، مما يجعل هذه السوق نشطة باستمرار”.

بينما يتحدث إلينا توفيق، لا يخفي زملاؤه من المزارعين حسرتهم، فهم وإن كانوا تخلصوا من الملاحقات والمطاردات، يعيشون واقعا يعتبرونه أسوأ، حيث أنهم لم يعودوا قادرين على توفير قوتهم اليومي، ومنذ قبولهم العمل وفق القانون تفاقمت مشاكلهم.

إعادة إنتاج للظلم بشكل مقننن

الواقع الذي رصدته “هوامش” في تاونات، ليس مختلفا عن معاناة مزارعي باقي مناطق الشمال، وهو ما عبرت عنه سلوى البردعي، البرلمانية عن جهة طنجة تطوان الحسيمة، في منشور لها، حيث أكدت أن “العفو الملكي الذي شمل عددًا من مزارعي القنب الهندي، كان الإنجاز الوحيد الملموس الذي أعاد الحرية والكرامة لعدد من أبناء الشمال بعد سنوات من الملاحقة والتهديد بالسجن أو الهجرة غير الشرعية”. 

وأكدت البردعي في منشورها أن “سؤال الواقع اليومي للفلاحين الصغار مطروحا بإلحاح: ماذا جنوا من التقنين؟”، حيث “روج عند صدور القانون بأن زمن المعاناة سينتهي، وأن الفلاح سيصبح جزءا من الدورة الاقتصادية الرسمية، يبيع محصوله بشكل قانوني، ويستفيد من مردودية عادلة”، مؤكدة أن “ما حصل على الأرض كان عكس ذلك”.

ونبهت البردعي إلى الواقع الذي أوجده القانون حيث “المنتجون الكبار والمستثمرون الجدد حصدوا الامتيازات، بينما ظل الفلاح رهين الفقر والتهميش”، وأشارت إلى أنه “بدل أن يأتي التقنين بحلول تنموية، فتح الباب أمام مزيد من الاستغلال، حتى أضحى الفلاح مهددا  في مورد رزقه”.

وخلصت النائبة البرلمانية إلى أن “الواقع  يؤكد أن القانون، كما طبق، لم يغير كثيرا من المعادلة القديمة: الفلاح يزرع ويتعب، وغيره يربح ويستفيد! هذا التناقض الصارخ جعل ساكنة المنطقة تشعر أن التقنين كان مجرد عنوان جميل لمشروع لم يراع العدالة الاجتماعية، ولم يضع الفلاح البسيط في صلب أولوياته”.

مشددة على أن “المطلوب اليوم ليس مجرد قانون على الورق، بل مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للإنسان البسيط الذي عاش لعقود في الهامش، وتوفر له دعما تقنيا وماليا حقيقيا، وتضمن له نصيبا عادلا من الثروة، فالتقنين الذي يبقي الفلاح فقيرا وعطشا ومهمشا، لا يمكن أن يسمى إصلاحا، بل هو مجرد إعادة إنتاج للظلم بشكل مقنن”.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram