الرئيسية

فاطمة تبعمرانت.. من طفولة قاسية إلى صوت للهوية الأمازيغية

لا يبدو حضور تبعمرانت، مجرد أداء فني حين تعتلي المنصة، فبين قوة الجسد ورهافة الروح، يظل الجمهور مشدودا إلى الصوت والكاريزما التي تتحلى بها. كما لا يمكن أن تكون الحُلَّة التي تظهر بها مجرد زينة خارجية، كل عقد وخاتم وسوار وحلية تشكل بيان هوية، ولغة صامتة تتحول إلى أثر لجذور ذاكرة جماعية. الرايسة فاطمة تبعمرانت، لاتغني فحسب، بل توثق تاريخا طويلا. هي مقاومة ضد النسيان وضد محو الذاكرة.

عادل ايت واعزيز

لم يكن يوما الفن في الثقافة الأمازيغية، حِكْراً على الرجال وحدهم، ولافضاء يغلق أبوابه أمام النساء. ظل دائما مساحة مشتركة يتفاعل فيها كلا الجنسين، حيث أبدعت شاعرات أثْبَتْنَ حضورا لافتا وأظهرن قدرة مبهرة على صياغة القصائد وإثراء المعاني. قائمة هؤلاء طويلة، وإحداهن فاطمة شاهو، المعروفة باسم فاطمة تبعمرانت. 

طفولة صعبة

ما من نافذة تطل بنا على حياة الفنانة، فاطمة تبعمرانت، طفولة وشبابا، أكثر من فيلم “تهيا Tihiya”، الذي أنتج سنة 1994. يقتفي الفيلم، أثر طفلة صغيرة في “إيد سالم”، بمنطقة لاخصاص، بالأطلس الصغير؛ طفلة تتأرجح حياتها بين شقاء الأعمال المنزلية، وبعض الأشغال الزراعية، وقساوة الطبيعة وجمالها.

هناك، بدأ وعي “تيهيا” يتشكل، عبر “الهوى”، وهي كلمة أمازيغية تعني كل شخص يظهر ولعه أو هوسه بـ “أمارگ” ونظم الشعر، والذي بدت مسكونة به منذ الصغر، فلا يمر يوم إلا وأذنها ملتصقة بالراديو، متيمة بالشعر وهائمة بالنظم. 

في سنوات طفولتها الأولى، شكل رحيل والدتها أول المنعطفات القاسية. عاشت بطش زوجة أب قاسية، لا ترى في الطفلة سوى عبء ثقيل. لم يعرف الأب ما كان يدور في بيته إلا حين سمع صراخ ابنته ذات يوم؛ وعندما واجه الحقيقة، لم يتمالك نفسه، فانتقم من الزوجة، ليجد نفسه بعدها خلف القضبان.

عندما غادر السجن مثقلا بشيخوخته، وجد الأب ابنته “تهيا” شابة تصارع العالم وحدها. لذلك حاول تزويجها قسرا، لكن تهيا رفضت، ثم هربت من قريتها إلى المدينة. وهناك، بدأت حياتها من جديد، خادمة في البيوت، وباحثة عن لقمة العيش، قبل أن تفتح الأضواء أذرعها لها، وتبدأ في كتابة مصيرها، عصامية تعلم نفسها بنفسها.

الخطوات الأولى

أبصرت صاحبة لقب الرباب الفضي، النور عام 1962، وساهمت الطبيعة التي كانت تحيط بها بتناقضاتها، بين جمال الجبال  وتعب الاحتطاب فيها، في شحذ شخصية الفنانة فاطمة ووجدانها. ولم يكن لها خيار غير تفجير كل ما عاشته في كلمات وصور شعرية عبر قوالب موسيقية. 

في تصريح خصت به “هوامش”، تقول فاطمة تبعمرانت: “أمارگ ليس فقط تعبيرا، بل رسالة تربوية وتوعوية وروحية؛ إنه توليفة للحياة. عليك أن تنتظر لحظة الاتصال مع وحيك الخاص.. وعندها فقط، يولد الشعر”.

كانت أولى خطواتها في عالم الفن والموسيقى، مع الرايس جامع الحميدي، ثم التحقت بفرقة سعيد أشتوك، لتنتقل بعدها إلى تجارب أخرى مع مدارس فنية عديدة، إحداها فرقة مولاي محمد بلفقيه، الذي أصدر معها أغنية مشتركة اسمها: “تنضامت” أي النظم بصيغة المؤنث، سنة 1984، وبعدها بسنة واحدة أصدرت أول ألبوم خاص بها، ولم تمض إلا 5 سنوات حتى أسست فرقتها الموسيقية.

الفن فعل مقاومة 

تبعمرانت، التي كان هوى الشعر يسكنها منذ طفولتها، تحيا به وتنام وتستيقظ معه، تَشْغَل ألحانها الخاصة، اليوم، حيزا كبيرا من الحياة اليومية للنساء – خصوصا نساء الهوامش- ترافقهن في أعمالهن المنزلية وأشغالهن وأعمالهن، لقد سكن صوت تبعمرانت معظم بيوت المغاربة، وتمكنت من الحصول على مكانة رمزية بين أجيال مختلفة، إناثا وذكورا.

تؤسس فاطمة تبعمرانت، في مشاريعها الفنية، لسردية خاصة داخل الثقافة الأمازيغية، ظلت تنتج في إطارها بزخم إبداعي تصاعدي؛ أولا عبر تعددية المضامين التي تتناولها، حيث نجد المستمع تائها بين أروقة شرحها وتشريحها. وثانيا أمام مشاركتها في أسئلة الحاضر، والإنسان، والحياة، والحرية، والهوية، والتاريخ. 

تواصل تبعمرانت الحديث لـ “هوامش” بالقول: “الفن الملتزم يرتبط جوهريا بالسياسة، لأنه ينحاز لقضايا الوطن، ويتناول هموم الناس، ويعبر عن تطلعاتهم. إنه فن لا يكتفي بالتأمل، بل يسعى للتأثير والتغيير”.

في عوالمها الخاصة، وحساسيتها الفنية ورؤيتها للذات والآخر، لا تتوقف فاطمة تبعمرانت عن هدم كل الخطابات الوهمية التي تحوم حول المرأة. ليجد المستمع نفسه أمام بساطة شفهية وإيجاز جذاب. وعبر بلاغتها الخاصة والصور الشعرية التي توظفها، تخلق الدهشة لديه وتباغته وأحيانا تستفزه، نلمس هذا في أعمال لها مثل: Moun didnegh adik nmoun،  Aboulhwa Sawa، Ourigi Zman Kouz، Azul Agma، وغيرها من الأعمال الفنية.

وهي لا تعتمد على ثقل الكلمة وقوتها فقط، إنما تعتمد أيضا على اللحن الذي يتعدد، بين الرباب، والناقوس، وتالونت، ولوتار.. ثم نبرة صوتها، الذي يبدو للوهلة الأولى وحده بوحا بالمعنى، يجد فيه “الوعي الجمعي” الساعي للاعتراف نفسه.

طالما كانت الجرأة التي تتحلى بها تبعمرانت، صمودا في وجه ترسانة من الأنظمة والأنساق التقليدية، وذهابا عميقا في فضاء الشعر والموسيقى، وطالما كان الهاجس الأكبر عندها، الالتزام بقضايا الراهن، و كشف واقع التهميش. وهذا ما تجلى في عملها الأخير، الصادر قبل شهر، تحت عنوان  “Asga Yann N Tudrt”، الذي مررت فيه رسائل قوية، من بينها التهميش الذي يطال ساكنة الحوز، جراء الزلزال، وفيه تحدثت عن المسؤولين وعن الذين لا يبالون بقضايا الوطن.

مرافعة شعرية عميقة

صدرت أغنية “Awrigr Yan Itmaguit Inou” سنة 2013، وهي تعد من الأغاني التي طبعت الذاكرة الفنية الأمازيغية، بل توشك أن تكون خطابا وجدانيا جعلت منه الفنانة صرخة وجودية، تعيد فيها ترتيب مفاهيم الانتماء. عنوان الأغنية “لا أحد يلمس هويتي”، يأتي جملة خبرية، ليس غضبا أجوف، بقدر ما هو مرافعة شعرية عميقة.

تستهل فاطمة تبعمرانت هذه الأغنية بمخاطبة الله بكلمات تزاوج بين الروح الدينية، ودفء الانتماء للأمازيغية، بين فتح باب الثقافة واللغة والذاكرة حينا، وبين التشبث بعقيدتها ودينها وطقوسه، حيث لا تتشكل الهوية عندها باعتبارها نزعة مغلقة أو رفضا للآخر.

ثم تمضي تبعمرانت في نظمها إلى تمجيد الأرض، التي لا تنحصر فقط في الجغرافيا وفي “التراب”، بل تعاملها باعتبارها كائنا حيا. وهي تستدعي التاريخ وتحاوره، تسأله ويجيبها؛ أرني ماذا تقول عن الأمازيغ؟  فيرد بأنه لن يٌزَوِّدها إلا بما يحتفظ به.

أْر نْسَاقْسَا التاريخ إفْكِيِي الجَوابْ نْسِ

نسائل  التاريخ فيمدنا بجوابه

أنِيغاسْ أرَا مَادِيتِويتْ فِيمَازيغْن 

قلت له أرني ما لديك عن الأمازيغ

يِنايِي رَادَام نٔفْك غايْلي دْگِ ياگورني 

قال لي سيمدني بالأشياء المرتبطة بي

إمَّا غايلِي يِلاَحْ وُرامْتْ نْسوگِيرْغي 

أما الأشياء الغائبة فليست بالمستطاع

هذا الحوار، يجعلنا ندرك أن هذا التاريخ قد ضاعت منه أجزاء كثيرة أو أريد لها أن تضيع، لكنه حاضر في الأغنية بما يكفي لتأكيد الاستمرارية، وذلك حين تفسح الفنانة في أغنيتها مساحة للحظات الافتخار برموز تاريخية أمازيغية مثل: شيشونق، يوبا، ديهيا، ثم يوغرتن، وهي أسماء تستحضر المقاومة وقوة الفكر والبطولة.

ويكتمل البناء الشعري والدرس الأخلاقي في الأغنية، عندما تذكرنا فاطمة شاهو، أن الأمازيغ لم يكن لديهم عبيد أو بشر يتاجرون فيهم، كما لم يكن معروفا عنهم وَأْدُ الأطفال، في مرافعة بيانية عن الحق في الهوية والاعتراف.

 في حديثها لـ “هوامش” تقول تبعمرانت: “في هذا المسار، شكل الفن لدى الأمازيغ امتدادا طبيعيا للنضال من أجل الهوية، وقد لعب الفنانون الرواد في فن أمارݣ دورا محوريا، أمثال: الحاج محمد الدمسيري، الحاج محمد البنسير، مجموعة أوسمان، أرشاش، بل وحتى إزماز قبل ذلك”.

وتضيف: “هؤلاء أسسوا لمدرسة فنية أمازيغية أصيلة، حملت الهم الثقافي والهوياتي بصدق. ولا يمكن الحديث عن الثقافة الأمازيغية دون التوقف عند الأخلاق الرفيعة التي تتجذر فيها، فالقيم الأخلاقية لا تنفصل عن الروح الثقافية للأمازيغ”.

تبعمرانت في دروب الحرية

تحرص تبعمرانت على تناول أفكار “تثويرية”، وأحيانا مثيرة للجدل في أغانيها، وتؤكد معارضتها لكل الخطابات التقليدية المغلقة، خصوصا تلك التي تريد إعادة المرأة للوراء. هذا ما نجده مثلا في أغنية Touzout Tamazight، الصادرة عام 2012، والتي لا تتوانى فيها عن تقديم نقد لاذع ومتهكم للهيمنة الذكورية والأفكار المغلقة، تقول في أحد المقاطع:

ؤراكْ نِيغْ مْلاَغْ أبْريدْ ؤلاَ گٓيتُون لِيمَانِي

لم أطلب منك أن ترشدني إلى الطريق فلا إيمان لك

ؤريحْلاَ الاسلام ءَيْدا نْميدْن دَاغْن تُوكيميِ

لم يحلل الإسلام الاعتداء على ملكية الغير

سْنٔغْ تٓيكْرْكَاسْ نْكْ نْكِي ؤُرْ نْگادَاغْ دْلْخْنٔشْت نوني 

أنا أدرك أكاذيبك وأنا لا أقارن بأكياسكم

ؤرَايكْ تْنْتْ لْسْغ مْقَار يْ تِيد ؤكان تيوتيِ 

لن أرتديها حتى لو أحضرتها لي

تعلن فاطمة تبعمرانت، في هذه الأغنية، عن رفض حاسم لتغطية المرأة أو حجبها عن العالم، وتدعوها للتمسك بإيمانها كخيار فردي حر. كما ترى أن الدين ليس خصما للحياة، وبين ثنايا أشعارها، تفتح أبواب الحرية والجمال على مصاريعها.

تواصل تبعمرانت حديثها لـ “هوامش” مؤكدة أن “الوضعية الحالية للمرأة الأمازيغية تتطلب دعما حقيقيا. في الماضي، لم يكن هناك اهتمام كاف بتعليم الأبناء، واليوم تقع علينا مسؤولية كبيرة للنهوض به. من الضروري أن ندعم المرأة الأمازيغية عبر تشجيع المنتوجات المحلية والتعاونيات، وعلى رجال الأعمال أن يساهموا في ذلك. كما ينبغي على القنوات التلفزيونية تخصيص مساحة واسعة للإشهارات بالأمازيغية، خاصة الموجهة للأطفال”.  

وتضيف: “كذلك، من المهم أن تقدم التعاونيات منتجاتها باللغة الأمازيغية، مثل أملو، وزيت الأركان، وغيرها، أما في الهامش، فالمفارقة المؤلمة أن بعض النساء، اللواتي كان يُنتظر منهن الحفاظ على اللغة الأمازيغية و توريثها لأبنائهن، الذين ينشأون على ثقافة دخيلة تهدد الهوية”.

تبعمرانت مربيةً

ليست الأغنية الوحيدة التي تتجرأ فيها الفنانة على الطابوهات والمسكوت عنه، “Baba Youba“، أغنية لا تقل ثقلا، عن الأولى، أصدرتها عام 2007، ولازال صدى كلماتها يتردد في الحاضر، ويطل على المستقبل. في مقطع لها تقول: 

الهنا دالعز اغنعيش ورنوسي تاداليت 

نعيش في الهناء والعز ولا نقبل الذل

ابليس ورادلي تاك نسن وريلي دارنغ

إبليس لم نكن نعرفه، ولم يكن بيننا

غار ويلي ديزان أكال نتنيكا داك ديموني

أولئك الوافدون إلى ديارنا، هم من جاءوا به

ثيمات عديدة، تتحدث عنها الأغنية، بينما تواصل الفنانة رمي الحجارة في البرك الراكدة. وبينما تقيم فعلا تربويا، تشير للخوف المركب الذي يرافق الأجيال منذ الصغر، جزء منه ينبع من أساليب تنشئة تعتمد على التخويف، وتوضح أن أحد أسباب هذا الخوف هو استخدام شخصيات مرعبة في التراث المغربي، مثل “بوعو”، وهي شخصية خيالية، يرهب بها الأطفال لضبط سلوكهم.

 علاقة فاطمة تبعمرانت بالدين ليست متوترة، بل هي تشبث وفهم عميق لروحه، لكنها ترفض في الوقت نفسه حصر الدين داخل المؤسسات، أو لدى رجال الدين المنغلقين. وفي المقابل، تمجد العلماء المتمكنين من الدين، الذين ينتصرون للحياة. وكثيرا ما تتوجه الفنانة، إلى الله بدعاء صادق في أغانيها، مستلهمة من قصص الأنبياء دروسا وعبرا، مؤكدة أن عدوها الوحيد هو الجهل، وأن فنها انتصار للحلم والفرح والجمال.

صرخة من الهامش

كل ما تريده فاطمة تبعمرانت هو النور، وهو ما عبرت عنه في أغنيتها Izem Ghobrid، أي الأسد في الطريق، تقول:

سيدي ربي ريغ تيفاوت ورستاهلاغ تيلاسي 

سيدي ربي أريد الأنوار لا استحق الظلمة

ريغ المحبة د وافولكي دالعز يريغ لاماني 

أريد المحبة والجمال والعز وأريد الأمان 

تعود هذه الأغنية إلى عام 2015، وتشكل صرخة احتجاج على المعاناة القاسية التي يعانيها أمازيغ الهامش، مجسدة في صورة الأسد الذي يصدُّ رسائلهم، كناية عن من لا يريد لأصواتهم أن تصل. تقول فاطمة شاهو لـ “هوامش” إن “بلادنا في العهد الجديد، لم تعد كما كانت في السبعينات وحتى التسعينات، حين كانت الأمازيغية تعيش تهميشا وظلما قاتما، وتقابل بسياسة استهزائية”. 

وتضيف: “في منتصف التسعينات، كان هناك اعتراف باهت جدا بالأمازيغية. خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 20 غشت 1994، كانت فيه مبادرات، لكنها محدودة، غير أنه في العهد الجديد، ومع الملك محمد السادس، حدث تحول مهم، خصوصا في خطاب أجدير يوم 17 أكتوبر 2001، الذي جاء بتوصيات جديدة حول الأمازيغية، من أبرزها تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وصولا إلى ترسيمها سنة 2011”.

تبعمرانت نائبة برلمانية

سنة 2012، وتحت قبة البرلمان، فاجأت النائبة البرلمانية فاطمة تبعمرانت، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، مجلس النواب في مداخلة لها، بأول سؤال من نوعه يطرح باللغة الأمازيغية داخل البرلمان، موجه لوزير التربية الوطنية آنذاك، محمد الوفا، والذي كان حول الإجراءات والتوجهات السياسية، في تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في الجامعات ومراكز الأساتذة، مذكرة بخطاب أجدير للملك محمد السادس.

تقول البرلمانية السابقة: “حتى حين كنت أزور المدن الكبرى، كنت أصر على التحدث بالأمازيغية فقط. نعم، كان هناك من يضحك مني، لكني لا أتجاهله؛ بل أُحدثه. لأن تجاهلي له لا يُعلِّمه شيئا، ولا يريحني من سخريته. فأقول له ببساطة: هذه اللغة لي ولك. لكن قل لي، من الذي يُفترض أن نضحك عليه؟ هل أنا التي أتمسك بها، أم أنت الذي ضيعتها؟”.

“في الماضي، لم تكن الأمازيغية تحظى بقيمتها الحقيقية، حتى بين بعض الأمازيغ. كان يكفي أن يقضي أحدهم بضعة أيام في مدينة كبرى، أو في الخارج، ليعود متنكرا للغته، متحدثا بلغة أخرى. أما اليوم، فالوضع تغيّر. أصبح الشخص، أينما كان، يعود إلى لغته الأمازيغية ويتحدث بها بفخر واعتزاز”. تضيف الفنانة.

وتوضح: “في المغرب نشكل نموذجا مهما، لكن لا تزال هناك جوانب ناقصة في هذا المسار، خاصة في التعليم، والإعلام، والصحة، والقضاء، حيث لا تزال الأمازيغية حاضرة بشكل خافت وغير كاف”.

داخل البرلمان وخارجه، ظلت مواقف تبعمرانت امتدادا لذلك الصوت الغنائي، الذي يشكل مرآة لوعي جمعي يبحث عن الاعتراف، ينطلق من الدُّوار ليصل إلى قبة التشريع بالرباط، حاملا معه رسالة هوية في وجه التهميش والإنكار.

اعتراف محلي ودولي 

على امتداد مسيرتها، راكمت فاطمة تبعمرانت رصيدا زاخرا من الجوائز والتكريمات والإشادات الدولية، التي تعكس حجم إسهامها في تطوير ونشر الأغنية الأمازيغية. فقد حازت سنة 2004 على جائزة الحاج بلعيد بمدينة تيزنيت، تخليدا لروح رائد فن الروايس، واعترافا بمساهمتها في الحفاظ على تراث سوس.

وبعدها بعام، فازت بجائزة أفضل أغنية أمازيغية عن أغنيتها الشهيرة “Yaouit Yaouit“، وهي جائزة منحتها لها مؤسسة الأغنية الأمازيغية. كما حصدت جائزة الرباب الفضي، وهي من أرفع الجوائز في فن الروايس، قبل أن يتم تكريمها في مهرجان فاس سنة 2006 تقديرا لمسيرتها الفنية. 

وفي محطة لافتة، حصلت سنة 2018 على الجائزة التقديرية الكبرى للثقافة الأمازيغية، من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تلتها سنة 2019 جائزة الثقافة الأمازيغية (صنف الأغنية) في ذكرى خطاب أجدير.

ولاحقا، توّجت هذا المسار الغني بـميدالية ذهبية في مهرجان “صيف الوداية”، بالرباط، تكريما لمسارها الفني المتألق.

ولم تتوقف الإشادة بإبداعها عند حدود المغرب، إذ قدمت عروضا فنية في كبريات المدن الأوروبية، مثل باريس وبروكسيل وأمستردام وأوتريخت وميلان، حيث حظيت بتكريم من قبل الجالية المغربية.

وفي سنة 2023 نالت تبعمرانت جائزة الثقافة الأمازيغية الشرقية – باريس، التي منحها لها المعهد الفرنسي تكريما لمجمل مسيرتها الفنية. وقد رافقت هذه المحطات إشادات إعلامية دولية، أكدت إشعاع صوتها الذي حمل الأغنية الأمازيغية إلى فضاءات أوسع، وجعلها أيقونة من أيقونات الفن الأمازيغي المعاصر.

وتشدد تبعمرانت في تصريحها لمنصة “هوامش” على أن: “الثقافة الأمازيغية غنية وعميقة، بجذور ضاربة في عمق التاريخ، وتمتد على مساحة واسعة من الذاكرة المغربية. والموسيقى الأمازيغية تحتاج اليوم إلى من يصونها ويحفظها من التلاشي. فمن دون استعادة موقع الثقافة الأمازيغية، لا يمكن الحديث عن استعادة الثقافة المغربية في شموليتها”.

رمز يشيد بالرموز الأخرى

لعل عصامية فاطمة تبعمرانت، ألقت بظلالها على الكثير من أشعارها، لذا نجد الذاكرة والتاريخ يلعبان أدوارا مهمة في مجمل أعمالها، هذه العصامية التي لا تنفك تشيد بالرموز والشخصيات الأمازيغية، التي جسدت تاريخا من النضال.

في أغنية Tamazight Madoufigh neki، تحدثنا الفنانة عن المؤرخ والشاعر علي صديقي ازايكو، وهو من الشخصيات الرائدة في الحقل الثقافي والفكري في المغرب، وتذكرنا الفنانة في نفس الأغنية أيضا بالفنان الأمازيغي محمد البنسير، أحد أعمدة الشعر في الثقافة الأمازيغية.

وبالعودة 27 عاما للوراء، نعثر على ikss ozlay itfililt، وهي أغنية ترثي فيها الفنانة تبعمرانت الفنان والمناضل الأمازيغي الجزائري معتوب لوناس، الذي اغتيل سنة 1998 في مدينة تيزي وزو بالجزائر.

وتنهي فاطمة تبعمرانت حديثها لهوامش بقولها: “حين أتحدث عن الأمازيغية، لا أقصد فقط مناطق المغرب كـسوس، والريف، وزيان، وأمازيغ الصحراء، بل أعني الأمازيغية في امتدادها الواسع، فهي متجذرة في الأرض والتاريخ، تنطق بها الجبال، وتتردد في روح الأماكن مثل ورزازات، وأزرو، وخنيفرة، وأكادير، كما في شمال إفريقيا برمتها، من موريتانيا ونواكشوط وأدرار، إلى الجزائر وتونس وليبيا”. 

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram