الرئيسية

بورتريه| صالح حشاد : من التفوق على ضباط أمريكا إلى جحيم تزمامارت

بابتسامة ووجه بشوش، يقف بجانب طائرة F5 الحربية، وفي يده خوذة طيار، شاب بجسد رياضي ممشوق، هذا الشخص في الصورة هو صالح حشاد، طيار مغربي نجا من جحيم تازمامارت، توفي يوم الأحد 14 شتنبر 2025، عن عمر يناهز 87 سنة، أمضى منها 18 عاما مدفونا حيا داخل زنزانة وسط المجهول.

سامي صبير

ولد صالح حشاد سنة 1938، بقرية “ولاد إيعيش” بالقرب من مدينة بني ملال حيث تابع دراسته الابتدائية والاعدادية، ثم التحق بثانوية مولاي الحسن بالدار البيضاء، ومنها بدأت مسيرته العسكرية، حيث التحق بالمدرسة الفرنسية لتدريب الطيارين في مراكش، وأمضى فيها سنتين قبل أن يغادر أرض الوطن في اتجاه فرنسا كطالب طيار سنة 1959. وبعد تجربته في أوروبا شد الرحال إلى قاعدة فنس إيرفورس في ولاية أوكلاهوما الأميركية، وسريعا ما سطع نجمه بعدما تفوق على الطيارين الأميركيين، واحتل المراكز الأولى في دفعته.

بعد عودة حشاد إلى المغرب سنة 1969، تم تعيينه رئيسا للوسائل العملياتية، وقائد سرب في قاعدة القنيطرة الجوية، ومن هناك تابع أخبار انقلاب الصخيرات، دون أن يعلم أنه سيكون جزءا من أحداث انقلاب ثان سيحول حياته إلى جحيم، فمنذ يوم الأربعاء 16 غشت 1972 اتخذت حياته مسارا لم يكن على باله، إثر الانقلاب العسكري الذي استهدف طائرة الملك الراحل الحسن الثاني، وحكم عليه بالسجن 20 سنة أمضى منها 18 سنة في غياهب معتقل تازمامارت.

صالح حشاد بالزي العسكري للطيارين

صالح حشاد وانقلاب 1972

“كان اليوم استثنائيا، لأن الخفر الذي كنا نتأهب للقيام به يتميز بكونه، رغم كل شيء خفرا ملكيا”، يقول حشاد في مذكراته، عن ذلك اليوم الذي كان مكلفا فيه بتشكيل فرقتين، كل واحدة تضم ثلاث طائرات، مهمتها مرافقة طائرة البوينغ الملكية عند دخولها المجال الجوي المغربي قادمة من فرنسا.

“اندهشت بعد العلم بتسليح ثلاثة طائرات واستبدال بعض الطيارين”، يحكي صالح حشاد، مضيفا أنه لم يتوقع أن يكون الأمر يتعلق بإنقلاب عسكري ومحاولة إسقاط طائرة الملك، ويقول “رأيت ثلاث طائرات F5 يصعدن وينزلن، استعدادا للتصويب، فكرت بأن الطيار كويرة أراد أن يقوم ببعض البهلونيات ليدهش الملك”.

لم تمض إلا لحظات قليلة حتى تكشفت حقيقة ما يجري أمام أعين صالح، بعدما انطلقت رشقة طلقات من إحدى الطائرات المسلحة، واستهدفت طائرة البوينغ، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، ونجا الملك الراحل الحسن الثاني من محاولة إسقاط طائرته، واعتقل صالح حشاد إلى جانب عدد من الضباط، بعدما طوقت المدرعات قاعدة العمليات في قاعدة القنيطرة، يقول حشاد في مذكراته “كانت تلك هي بداية نزولنا إلى الجحيم”.

صالح حشاد

طيار وسط الجحيم

وضعوا داخل شاحنة مصفحة، وتم اقتياد الضباط المعتقلين إلى مقر القيادة العليا بالرباط، حيث تم استنطاقهم لمدة شهرين تقريبا، قبل إحالتهم على المحكمة العسكرية، في أكتوبر 1972، وحكم على صالح حشاد بالسجن عشرين عاما، إلى جانب كل من اليوتنان الطويل والزموري، والرقيب الأول موهاج علال، والضابط المساعد مغوتي.

“عشرون سنة بالنسبة لي كانت حياة كاملة”، يحكي حشاد، مضيفا أنه في ليلة 7 غشت 1973، وفي حرارة خانقة، دخلت شاحنات إلى باحة السجن، وكبل المساجين سواء أصحاب انقلاب الصخيرات أوالطيارين، كما عصبت أعينهم وتم رميهم داخل شاحنتين.

كانت هذه بداية جحيم سيذوق مرارته، إلى جانب باقي المعتقلين، لمدة 18 سنة، فبعدما سارت الشاحنات لساعات وسط الصحراء وصلت أخيرا إلى وجهتها، أو كما وصفها حشاد، “المكان الذي سيصير قبرنا”، حيث قرر مسؤولون مغاربة دفن مواطنين مغاربة داخل المكان الأكثر سرية في العالم، وهو عبارة عن زنازين خانقة ومظلمة، تبلغ مساحتها ثلاثة أمتار طولا ومترين عرضا، بنيت باسمنت مسلح.

داخل معتقل تازمامارت السري، تعرض الضباط للسب والتهديد والضرب، وحتى السجناء المحكوم عليهم بثلاث سنوات، لم يفرج عنهم بعد انقضاء مدة محكوميتهم، وتحولت إلى أعوام يختلط فيها ظلام الليل بالنهار، ويستعمر الألم والمرض كل أجزاء الجسد، وتزهق الأرواح.

معتقل تزمامارت

تفاصيل تافهة في حياة عادية تبعث الحياة في زنزانة مظلمة

القبطان صالح حشاد وباقي سجناء تازمامارت، كانوا في عداد الأموات وهم أحياء، مدفونون في ظلمات زنازين لا يدخلها ضوء النهار، ولا يزورها طبيب، أو يعلم بمكانها أحد باستثناء الحراس وبعض المسؤولين، وبعد 4 سنوات من العزلة التامة عن العالم الخارجي، تمكن أحد الحراس من إدخال رسالة وصورتين، كانت قد بعثت بهما عايدة، زوجته صالح حشاد، قبل سنوات ولم تنجح محاولة المرسول إيصال الرسالة واعتقل، إلى أن جاءت سنة 1978.

كانت الرسالة بالنسبة لصالح مثل بعث من الموت، كتب يصف تلك اللحظة “كان يكفي القليل في تازمامارت لكي يولد الأمل، رسالة، أعواد ثقاب، شمعة أو شمعتان، صور طفلي…، في حياة عادية تعتبر هذه الأشياء تافهة ولا تكاد ترى”.

شكلت تلك الرسالة نقطة تحول في مصير صالح حشاد، فمن خلال رسالة مشفرة تمكن من إقناع زميله مبارك الطويل، بكتابة رسالة إلى زوجته الأمريكية يدعوها للسفر إلى خارج المغرب، والدفاع عن قضيتهم، وليعلم العالم، وخصوصا في أمريكا، كيف انتهى مصير سجناء انقلاب الصخيرات وقاعدة القنيطرة، الذين نجوا من الحكم عليهم بالإعدام.

رغم الخطر الذي كانت تشكله كل محاولة اتصال فاشلة، خاطر عدد من الحراس بنقل رسائل وأدوية إلى داخل السجن وخارجه، وبعد عدة اتصالات بين مساجين تازمامارت، وعايدة زوجة صالح ونانسي زوجة الطويل، غادر الجحيم لأول مرة واحد من رفاق صالح، ففي سنة 1982 وبحضور السفير الأمريكي، نقل مبارك الطويل إلى الرباط، حيث أمضى 48 ساعة قبل إعادته مرة أخرى إلى تازمامارت، هذا الحدث زاد من تشبث صالح والبقية بالأمل في الخروج أحياء من “قبورهم”، بعدما حول الجوع أجسامهم إلى جلد على عظم، وفتكت الأمراض بأعضائهم، ونخرت عقولهم وأودت بحياة بعضهم.

محاكمة الضباط

إخفاء السجين رقم 18149 

الرقم 18149، بالسجن المركزي بالقنيطرة، المحكوم عليه بعشرين سنة سجنا، كان هو آخر هوية يعرف وينادى بها القبطان صالح حشاد، قبل اختفائه عقب انقلاب 16 غشت 1972.

فبعد نجاة صالح حشاد وبعض من رفاقه، طيلة عشر سنوات من الموت داخل تازمامارت، وجهت عايدة، زوجة صالح، سنة 1981، برقية إلى الوزير الأول، ورئيس البرلمان، وزعماء الأحزاب السياسية، تطلب فيها الحصول على معلومات عن زوجها المعتقل تحت رقم 18149، بالسجن المركزي بالقنيطرة. 

في نفس الوقت، طلبت عايدة من باقي العائلات القيام بنفس الأمر، والتظاهر بأنها لا تعلم شيئا عن معتقل يدعى تازمامارت للحفاظ على قنوات الاتصال بالمعتقلين، وتجنب الحديث عن أي معلومات يمكن أن تقود إلى كشفها.

إلا أن المحاولات المتكررة والأبواب العديدة التي طرقتها زوجة صالح حشاد، لم تكن كافية لوضع حد لمعاناة معتقلي تازمامارت، كما لم تشفع لهم العريضة، التي نجح الضابط الفرنسي هيبرت لوجوني ديك، أستاذ صالح حشاد في مدرسة الطيران بمراكش، في إقناع عدد من الضباط الفرنسيين بتوقيعها يوم 16 شتنبر 1989، للكشف عن وجود معتقل يدعى تازمامارت، وبعثها إلى وزارة الخارجية الفرنسية وسفير المغرب بباريس، والديوان الملكي، بمناسبة عيد ميلاد الحسن الثاني الستين.

مدخل معتقل تزمامارت

صالح حشاد لم يعد سرا.. الجميع أصبح يعلم

بعد 18 سنة قضاها صالح حشاد داخل معتقل تازمامارت، وبالضبط سنة 1990، تشكل في باريس إئتلاف يضم 57 جمعية مدنية، وكان من بين أعضائه كريستين السرفاتي، وجيل بيرو، وريمي بارو، ومن أهدافه كان التعريف بقضية المعتقلين في حجيم تازمامارت.

وفي بداية 1991، وصلت نسخة عن ملف تازمامارت إلى الفاتيكان، ونشرت جريدة الوطن التي أصدرها عمر الزايدي، في ماي على الصفحة الأولى خبر وجود المعتقل السري، ورغم مصادرة الجريدة ومنعها بصفة نهائية، إلا أن الجميع أصبح يعلم بوجود معتقل سري يدعى تازمامارت، وأن صالح ورفاقه مدفونون داخله أحياء.

بعد ضجة كبيرة، وتناول الموضوع داخل قبة البرلمان، والظلال التي ألقتها القضية على العلاقات المغربية الفرنسية، تحول صالح حشاد إلى “رجل حر من الآن، لقد عفى عنه جلالة الملك، بإمكانه الذهاب”، عبارة تتذكرها عايدة زوجة صالح حشاد، وهي تكتب مذكراتها عن لحظة الإفراج عن صالح، يوم 27 أكتوبر 1991.

مقبرة تضم جثامين المعتقلين الذين توفوا داخل تزمامارت

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram