“هوامش”| أزيلال
في الآونة الأخيرة بدأت أصوات سكان المناطق المعزولة تتصاعد بشكل غير مسبوق، لتتحول من شكاوى متفرقة إلى موجة احتجاجات متنامية تُنذر بتداعيات مقلقة. هذه المناطق، التي طالما وُصفت بـ”المنسية”، وجدت نفسها في مواجهة واقع قاس، يطغى عليه التهميش، وغياب البنى التحتية الأساسية، من طرق معبدة ومراكز صحية، إلى خدمات التعليم والماء والكهرباء.
مع تراكم الأزمات وتعاقب الوعود غير المنجزة، لم يجد سكان دواوير إكمير أيت عباس بإقليم أزيلال أمامهم سوى المشي على الأقدام لمسافات طويلة وسيلة لإسماع صوتهم.
صباح الثلاثاء 9 شتنبر 2025، انطلقت من دواوير إكمير بجماعة آيت عباس مسيرة غير عادية. عشرات السكان، رجالا ونساء وشبابا، شدّوا الرحال نحو مقر عمالة إقليم أزيلال، حاملين على أكتافهم هموما أثقل من الطريق، ومطالب لا تتجاوز أبسط الحقوق في التعليم والصحة.
ما بدأ كخطوة سلمية لإسماع الصوت تحوّل عند مشارف المدينة إلى مشهد مطبوع بالقمع والاعتقالات، بعدما تدخلت القوات العمومية لوقف المسيرة وتفريق المشاركين، مخلفة أزيد من عشرين موقوفا.
لم تكن المسافة مجرد أرقام على الورق، بل امتحانا في الصبر. أكثر من 50 كيلومترا اجتازها المحتجون سيرا على الأقدام، بين مسالك جبلية وعرة، ووديان تحمل سيولا موسمية، في رحلة امتدت يوما كاملا اضطروا خلالها إلى المبيت بجماعة آيت محمد. “لم نجد سيارات تقلّنا، ولا حافلات تصل إلينا، فأقدامنا هي وسيلة النقل الوحيدة”، يقول أحد المشاركين وقد بدت علامات الإرهاق على ملامحه.
كانت المسيرة أقرب إلى صرخة جماعية كسرت صمت العزلة. كل خطوة على الطريق كانت تختزن سنوات من التهميش، وكل وقفة قصيرة للراحة كانت لحظة لترديد الشعارات المطالبة بالكرامة والعدالة المجالية.
أبناء إكمير لا يطالبون بالكثير، ملفهم المطلبي كان كفيلا لكشف واقع العزلة التي يعيشها سكان دواوير أزيلال المنسيون، وتتضمن مطالبهم إعدادية قريبة لتفادي الانقطاع المبكر عن الدراسة، خصوصا في صفوف الفتيات، اللواتي يُجبرن على ترك مقاعد الدراسة بسبب بعد المؤسسات التعليمية. مركز صحي مجهز وطبيبة دائمة، بدل بناية خاوية لا يجد فيها المرضى سوى الأبواب المغلقة. حماية الدواوير من فيضانات “واد لخضر” التي تهدد الأرواح والممتلكات كل شتاء.
“نريد فقط أن يدرس أولادنا هنا، وأن نجد طبيبا حين يمرض أحدنا”، تقول سيدة أربعينية شاركت في المسيرة وهي تحمل لافتة مكتوبة بخط اليد.
مع الساعات الأولى من صباح الأربعاء 10 شتنبر، وصلت المسيرة إلى المدخل الرئيسي لمدينة أزيلال. هناك، كان في انتظارهم طوق أمني كثيف. دقائق فقط فصلت الهتافات عن لحظة التدخل. وتم إيقاف المسيرة عند المدخل الرئيسي لمدينة أزيلال، حيث قامت القوات العمومية بتوقيف عدد من المواطنين المشاركين في المسيرة، قبل أن يتم تفريق باقي المحتجين. وأكدت مصادر حقوقية أن التدخل الأمني جاء لمنع المحتجين من الوصول إلى مقر العمالة لعرض مطالبهم.
قال أحد المشاركين “القوات العمومية كانت أكثر من المحتجين، هل أتوا لمحاربة الإرهاب في أيت عباس، أم ماذا؟ هل قتلوا أو قام السكان بفعل إجرامي؟”
وحسب إحصائيات أولية توصلت بها هوامش، فقد شملت الاعتقالات أزيد من 20 مشاركا، فيما تفرّق الباقون تحت ضغط القوات العمومية. مصادر حقوقية أكدت أن المسيرة كانت سلمية بالكامل، وأن المتظاهرين لم يحملوا سوى مطالب اجتماعية بسيطة.
وتؤكد مصادر محلية أن عائلات الموقوفين تستعد لمسيرات جديدة، بمشاركة النساء والأطفال هذه المرة، للتعبير عن رفضها “المقاربة الأمنية” وتشبثها بالمطالب، فيما تداول نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة، تُظهر تدخل القوات العمومية لعرقلة تقدم المسيرة عند مداخل المدينة، في مشهد يجسّد حالة الاحتقان التي تخيّم على المنطقة.
ليست إكمير استثناء. فالإقليم بأكمله يعاني هشاشة مضاعفة، وتعاني المنطقة من من أعلى معدل للفقر بالمغرب (17 في المائة)، أما الأمية فتتجاوز 47 في المائة.
إكمير لم تكن الأولى. مسيرات مماثلة عرفتها دواوير آيت بوكماز وتيلوكيت وتاكلفت، كلها ترفع نفس الشعارات “مدرسة، مستوصف، طرق معبدة”.
مسيرة سكان إكمير لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل محطة أخرى في مسار طويل من نضال عفوي، يحاول أن يضع المناطق المعزولة على جدول أعمال المسؤولين. فحين تُجابَه المطالب الاجتماعية بالعنف بدل الحوار.
رغم تكرار الخطابات الرسمية حول “العدالة المجالية”، يظل واقع المناطق الجبلية شاهداً على فجوة عميقة بين الشعارات والتنفيذ.
في أحدث تقرير، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط، لسنة 2023، إلى أن الثروة الوطنية تتركز بشكل كبير في ثلاث جهات فقط، وتُظهر الأرقام الرسمية واقعا مركبا يؤكد أن المغرب يسير بالفعل بسرعتين مختلفتين، وتتسع فيه هوة الفوارق بين الجهات، حيث تستأثر ثلاث جهات فقط بما يناهز 60% من الثروة الوطنية، في وقت تتقاسم فيه أغلبية الجهات على المستوى الوطني 40% الباقية.
وحسب نفس التقرير، أنتجت جهة الدار البيضاء-سطات لوحدها 32.2% من الناتج الداخلي الإجمالي، تلتها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بـ15.7%، وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة بـ10.6%. ويعود ذلك إلى الدينامية الاقتصادية والبنيات التحتية الاستراتيجية التي تحتضنها هذه المناطق، مما يجعلها أكثر جاذبية للاستثمار وموطنا للأنشطة ذات القيمة المضافة العالية.
في المقابل، لا تتجاوز مساهمة جهات بأكملها، مثل سوس-ماسة وودرعة-تافيلالت وبني ملال خنيفرة، التي تنتمي إليها جماعة أيت عباس، نسبة محدودة من الناتج الداخلي، رغم مؤهلاتها الطبيعية والسياحية. ويعزى هذا التهميش، وفق التقرير، إلى ضعف البنيات التحتية وقلة المشاريع الكبرى وصعوبة الولوج إلى الأسواق، ما يدفع الشباب للهجرة ويعمّق التفاوت الاجتماعي. ويبرز هذا الاختلال في مستوى عيش المواطنين؛ وهو ما يكرّس الفوارق الجهوية ويطرح تحديات العدالة المجالية والتنمية المتوازنة.