الرئيسية

ما هي الجهات التي تستحوذ على 60% من الثروة الوطنية؟

في مشهد اقتصادي وطني يعيش على وقع تحولات عميقة، تُظهر الأرقام الرسمية واقعا مركبا يؤكد أن المغرب يسير بالفعل بسرعتين مختلفتين، وتتسع فيه هوة الفوارق بين الجهات، حيث تستأثر ثلاث جهات فقط بما يناهز 60% من الثروة الوطنية، في وقت تتقاسم فيه أغلبية الجهات على المستوى الوطني 40% الباقية.

هوامش

كشفت “المذكرة حول الحسابات الجهوية لسنة 2023” الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، عن استمرار ظاهرة التركز الاقتصادي بشكل لافت، حيث تفرض ثلاث جهات، هيمنتها على الخريطة الاقتصادية للمملكة، بينما تكافح باقي الجهات للحاق بركب النمو.

ثلاثة مراكز مهيمنة ومعظم الجهات عالقة في دوامة التهميش

تؤكد بيانات رسمية، نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، أن ثلاث جهات فقط أنتجت 58.5% من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني سنة 2023. وتأتي جهة الدار البيضاء-سطات في الصدارة، حيث تساهم لوحدها بنسبة 32.2% من الثروة الوطنية، أي ما يعادل الثلث تقريبا، مما يكرسها كقاطرة للاقتصاد المغربي. تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 15.7%، ثم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة التي ساهمت بنسبة 10.6%.

ويُعزى هذا التركز، حسب المصدر ذاته، إلى الدينامية الصناعية والتجارية والخدماتية القوية التي تعرفها هذه الجهات، بالإضافة إلى توفرها على بنى تحتية استراتيجية تدعم جاذبيتها للاستثمارات، وتركز الأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية.

في المقابل، تُعاني جهات أخرى من تهميش اقتصادي مزمن. فعلى سبيل المثال، أنتجت جهة سوس ماسة،  6,6% فقط من الناتج الداخلي، رغم إمكاناتها السياحية والفلاجية الكبيرة. في حين لم تتجاوز حصة جهة فاس مكناس  8,4% ، بينما لا تشكل جهات الجنوب الثلاث، بالإضافة إلى جهة درعة تافيلالت، سوى ما نسبته 7,6% فقط من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، فجهة درعة -تافيلالت لم تتجاوز 2,8%، أما جهات الصحراء  الثلاث (كلميم واد نون، والعيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب) مجتمعة، فلم تساهم سوى بنسبة 4,8 %، وذلك على الرغم من أهميتها الجيوسياسية والاستراتيجية. 

هذا التفاوت يُعزى إلى ضعف البنيات التحتية، وقلة المشاريع التنموية الكبرى، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، ما يدفع بالشباب من هذه المناطق إلى الهجرة نحو المدن الكبرى، مُفاقماً بذلك التمدد العمراني وضغوط السكن والخدمات.

ويُنذر النمو البطيء في هذه المناطق، أو حتى التراجع في بعض القطاعات، بتفاقم التباين الاجتماعي. فبينما تشهد المدن الكبرى توسعا في قطاعات التكنولوجيا، والصناعة، والخدمات، تعتمد جهات أخرى على قطاعات أكثر تقلبا مثل الفلاحة، التي تتأثر بشدة بالمناخ، أو التجارة الصغيرة، التي لا تُولّد فرص شغل كافية. 

التركيز الجغرافي للثروة يُوازيه تركيز في القطاعات الاقتصادية. ففي جهة الدار البيضاء، مثلا، تُسجّل قطاعات مثل الصناعة، والخدمات المتقدمة، والمالية، نسب نمو عالية، بينما تعتمد جهات أخرى على قطاعات أكثر تقلبا مثل الفلاحة، التي تتأثر بشدة بالمناخ.

وتُظهر البيانات أن الاستثمار العام والخاص يُوجّه بشكل غير متناسب نحو الجهات المتقدمة، حيث تُبنى الطرق، والموانئ، والمدن الجديدة، في حين تبقى مناطق أخرى بدون مشاريع تنموية حقيقية.

ولا يقتصر التفاوت على الأرقام الإجمالية، بل يمتد ليشمل مستوى عيش المواطنين بشكل مباشر. فبينما بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، على المستوى الوطني، 40 ألفا و508 دراهم سنويا، نجد تباينا صارخا بين الجهات.

في جهة الداخلة-وادي الذهب، يصل نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي إلى 89 ألفا و533 درهم، وهو ما يفوق ضعف المتوسط الوطني، في المقابل، لا يتجاوز هذا الرقم 25 ألفا و324 درهم في جهة درعة-تافيلالت، أي بفارق يتجاوز ثلاثة أضعاف.

هذا التفاوت في توزيع الثروة ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية، والولوج إلى الخدمات الأساسية، مما يعمق الإحساس بالتهميش لدى سكان الجهات الأقل نموا.

استهلاك الأسر: تفاوت جهوي يُعمّق الفجوة بين الشمال والجنوب

لا يقتصر التفاوت الاقتصادي في المغرب على إنتاج الثروة فحسب، بل يمتد إلى طريقة توزيعها على مستوى الاستهلاك، حيث تُظهر بيانات الحسابات الجهوية، لسنة 2023، فجوة واضحة في نفقات الأسر المغربية حسب مناطق الإقامة. 

فبينما تتمتع بعض الجهات بقدرة شرائية عالية، تظل أخرى محدودة على مستوى الإنفاق، ما يعكس اختلافا عميقا في مستويات المعيشة، وجودة الخدمات المتاحة. في هذا السياق، سجّلت “نفقات الاستهلاك النهائي للأسر” نمواً نسبته 3.7٪، خلال سنة 2023 مقارنة بسنة 2022، لتصل إلى ما مجموعه 891,9 مليار درهم سنة 2023، لكن هذا النمو لم يكن موزعاً بالتساوي بين جميع جهات المملكة.

تُبرز المعطيات أن خمس جهات استحوذت على ما يقارب ثلاثة أرباع (74٪) نفقات الاستهلاك النهائي للأسر، إذ تحتل جهة الدار البيضاء-سطات الصدارة بوضوح في حجم الإنفاق، حيث تمثل وحدها 25٪ من إجمالي نفقات الاستهلاك النهائي للأسر في المغرب، هذا المستوى المرتفع من الإنفاق يُعزى إلى كثافة السكان، وتوافر فرص الشغل، وتنوع الخدمات والمرافق التجارية والصحية والتعليمية، فضلاً عن كونها مركزاً للأنشطة الاقتصادية الكبرى. 

وفي المرتبة الثانية تأتي جهة الرباط-سلا-القنيطرة، فقد سجّلت هي الأخرى مستوى عاليا من الاستهلاك، بنسبة 14,6 ٪، ويُعزى هذا إلى تموقعها كمركز حكومي وتعليمي وثقافي، فضلا عن ارتفاع دخل الساكنة العاملة في القطاع العام، والتوسع العمراني الكبير الذي تشهده المدن الكبرى مثل سلا والخميسات.

أما جهة طنجة-تطوان-الحسيمة التي سجّلت نموا ملحوظا في استهلاك الأسر، فقد بلغت حصتها 11.7٪ من إجمالي الاستهلاك الوطني، مدعومة بانتعاش قطاعات الخدمات، والسياحة، والصناعة، وازدياد القدرة الشرائية بفضل المشاريع التنموية الكبرى مثل ميناء طنجة المتوسط، تليها برقم قريب جهة فاس-مكناس التي سجلت 11.5٪.

في المقابل، تُسجل جهات أخرى نسبا منخفضة جداً من الاستهلاك، مما يعكس صعوبات هيكلية في رفع القدرة الشرائية.

على سبيل المثال، لا تتجاوز حصة سوس ماسة حوالي 7,2٪، في حين تظل جهات الجنوب مثل العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب، عند مستويات منخفضة جداً على مستوى الإنفاق، إذ لا تتجاوز جهة الداخلة وادي الذهب 0,8 ٪ من المجموع، رغم الأهمية الجيوستراتيجية لهذه المنطقة. 

هذا التباين في الاستهلاك لا ينبع فقط من اختلاف الدخل، بل أيضاً من ضعف البنية التحتية، وندرة العروض التجارية والخدمية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق في بعض المناطق القروية أو النائية.

إجمالا، فإن نمط الاستهلاك في المغرب يُعيد تأكيد صورة “المغرب بسرعتين”، حيث تُنفق الأسر في المدن الكبرى أضعاف ما تُنفقه نظيراتها في الجهات المهمشة، وهو مؤشر دالّ على تعمّق الفجوة الاجتماعية، ويستدعي تدخلا سياسيا واقتصاديا شاملا، لضمان توزيع أكثر عدلا للفرص والثروة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضا على مستوى الاستفادة اليومية من هذه الثروة عبر الاستهلاك، والخدمات، وجودة الحياة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram