عزيز مساري
يواجه المغرب أزمة حقيقية في قطاع تربية المواشي، تجلت بوضوح في التضارب الصارخ للأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الفلاحة، حيث أظهر الإحصاء الأخير، الذي أجري بين 26 يونيو و11 غشت 2025، ارتفاعا مفاجئا في أعداد رؤوس القطيع إلى 32.8 مليون رأس، مقابل تراجع بنسبة 38% مقارنة مع سنة 2016، كان قد أعلن عنه وزير الفلاحة أحمد البواري في فبراير الماضي.
وانتقدت النقابة الوطنية للفلاحين، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، تضارب أرقام وزارة الفلاحة حول إحصاء القطيع، معتبرة أنها تفتقد لمعطيات دقيقة عن توزيع السلالات الأصيلة. وطالبت باستغلال عملية الترقيم لإعداد خريطة وطنية محدثة.
كما سجلت غياب إحصاء للعنصر البشري من الكسابة والفلاحين الصغار الذين تضرروا من سبع سنوات من الجفاف، مما قد يقصيهم من الاستفادة من الدعم. وحذرت من تكرار اختلالات توزيع الشعير المدعم، داعية لضمان الشفافية وتفادي الاستغلال الانتخابي، مع التأكد من جودة الأعلاف المركبة.
وأبرزت النقابة في بيان لها، توصلت به “هوامش”، أن عدد إناث الأغنام والماعز مرشح ليتجاوز أهداف الوزارة لموسم 2025-2026، مما يتطلب رفع الغلاف المالي للدعم المباشر. كما عبرت عن استغرابها من استقرار أعداد الإبل وتراجع الأبقار، وطالبت بمساءلة المستفيدين الكبار من البرامج السابقة، منتقدة تأخير صرف الدعم إلى يونيو 2026، مع ضرورة مراجعة معايير صرف الدعم، وتوجيهه أساسا للقرى، والفلاحين والكسابة الصغار، باعتبارهم المربين الفعليين للماشية والمنتجين لغذاء المغاربة.
يُعتبر تراجع القطيع الوطني دليلا واضحا على نتائج “المخطط الأخضر”، و”الجيل الأخضر”، اللذين أشرف عليهما عزيز أخنوش منذ 2008، حيث ركزت هذه السياسات على الفلاحة التصديرية، وتخصيص دعم سخي للملاكين الكبار، مع إهمال دعم سلالات القطيع الوطني.
وأعاد تراجع القطيع الوطني، خاصة في ظل سبع سنوات متتالية من الجفاف، النقاش حول حصيلة السياسات الفلاحية الكبرى بالمغرب، وعلى رأسها “المخطط الأخضر” وامتداده “الجيل الأخضر”. فبينما تؤكد الحكومة أن هذه الاستراتيجيات رفعت من الناتج الفلاحي والصادرات، توالت التقارير لتكشف عن صورة مغايرة، تطبعها هشاشة القطاع وتهميش صغار الفلاحين.
تقرير مديرية الدراسات والتوقعات المالية (DEPF) خلص إلى أن المخطط الأخضر، رغم استثمارات ضخمة تجاوزت 43 مليار درهم، لم يحقق العدالة الاجتماعية في المجال القروي، إذ استفاد كبار الملاكين على حساب صغار الفلاحين. وسجل التقرير تراجعا في التشغيل الفلاحي بين 2010 و2016، عكس الوعود التي رافقت إطلاق البرنامج.
وكشف التقرير عن تناقض صارخ في أرقام التوظيف؛ فبينما توقعت الخطة خلق مليون منصب عمل جديد بحلول 2020، وادعت وزارة الفلاحة خلق 300 ألف منصب شغل، أثبتت الدراسة أن القطاع الفلاحي فقد فعليا فرص عمل خلال الفترة 2010-2016 بمعدل انخفاض سنوي 0.4%، ليصل عدد العاملين في المجال الفلاحي إلى أقل من 4 ملايين عامل.
هذا التراجع يتناقض مع الاتجاه العام في دول مماثلة، مثل مصر (+1.51%)، وتركيا (+1.25%)، والمكسيك (+0.18%)، حيث شهدت جميعها زيادة في عدد العمال الفلاحيين خلال نفس الفترة.
من جهته، نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) إلى تدهور الموارد الطبيعية وازدياد التبعية الغذائية، محذرا من أن النموذج الفلاحي المعتمد بات يهدد الأمن الغذائي.
التقرير الأخير، الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE)، جاء ليضع كلمات صريحة وقاطعة على شرخ زراعي آخذ في الاتساع. لم يكن التقرير مجرد وثيقة تقنية جديدة، بل بمثابة تقييم قاتم.
يقول الصحافي مهدي وصاط، مستندًا إلى تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE)، إن خطة المخطط الأخضر فشلت في تحقيق العدالة بين الفلاحين المغاربة، وكشفت عن توزيع كارثي للاستثمارات، فـ 3% من كبار الملاك استحوذوا على 99 مليار درهم من أصل 113 مليار، بينما 97% من الفلاحين الصغار والمتوسطين، الذين يشكلون 70% من النسيج الفلاحي، ويضمنون الاكتفاء الغذائي للأسواق والأسر، حصلوا على أقل من 15 مليار.
ويضيف “هذا التركيز على كبار المستثمرين أدى إلى تدمير البيئة الزراعية، وإضعاف قدرة الفلاحين الصغار على مواجهة الجفاف والتقلبات المناخية، كما لم يحقق المخطط فرص العمل الموعودة”. ويخلص الصحافي إلى أن الحل “يكمن في إعادة النظر في السياسة الزراعية، ودعم الفلاحين الصغار لتعزيز العدالة الاجتماعية والسيادة الغذائية الوطنية”.
تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يوضح بجلاء أن الفلاحة العائلية الصغيرة والمتوسطة، التي تُشغّل ملايين المغاربة وتنعش الأسواق الأسبوعية والقرى، وتحافظ على التقاليد، لم تكن أبدا أولوية. فقد تم تهميشها لصالح فلاحة موجهة للتصدير، تركز على كبار الملاك والاستغلاليات الكبرى.
أما مجلس المستشارين فقد سجل ضعف المكننة، وصعوبة ولوج الفلاحين الصغار إلى التمويل، إضافة إلى سوء تدبير الموارد المائية.
تشير البيانات الحكومية إلى أن المخطط الأخضر ضاعف الناتج الداخلي الخام الفلاحي بين 2007 و2018، ورفع من قيمة الصادرات. غير أن هذه المؤشرات الكمية لا تعكس واقع الفلاحين الصغار الذين ظلوا خارج دائرة الاستفادة الفعلية، عاجزين عن الحفاظ على قطعانهم، أو الاستثمار في تحسين مردوديتهم.
رغم صرف أكثر من 5 مليارات دولار على مخططات وزارة الفلاحة خلال عشرين سنة، لم تحقق هذه البرامج أي نتائج ملموسة على الاكتفاء الذاتي للمغاربة من اللحوم الحمراء. ففي سابقة هي الرابعة في تاريخ المغرب، أهاب الملك محمد السادس بالمغاربة عدم النحر خلال عيد الأضحى الماضي، مبررا هذا القرار بـ”التحديات المناخية والاقتصادية” التي أدت إلى تراجع كبير في أعداد الماشية.
وجاء هذا القرار في سياق أزمة بيئية خانقة ضربت البلاد، حيث أدت موجات الجفاف المتتالية لسبع سنوات متواصلة إلى تهديد الأمن الغذائي والاستقرار الفلاحي. وقد شهدت أسعار الأغنام في عيد الأضحى السابق ارتفاعا غير مسبوق، وصل إلى 10 آلاف درهم للكبش الواحد.
كشف مجلس المنافسة، في تقريره السنوي لسنة 2024، عن وضعية مثيرة للقلق في سوق الأعلاف المركبة بالمغرب، حيث تسيطر ثماني شركات كبرى على نحو 75% من السوق، وهو ما يحدّ من آليات المنافسة، ويضعف تنوع العرض المتاح أمام الفلاحين.
ووفق نفس التقرير، تهيمن أربع شركات أخرى على 90% من سوق كعك البذور الزيتية، وتتحكم مجموعتان عموديتان في نصف السوق تقريبا. “هذا الاندماج العمودي يمنحها السيطرة على كل حلقات السلسلة الإنتاجية، من استيراد المواد الخام إلى التصنيع والتوزيع، وحتى بعض عمليات التربية والذبح، مما يعيق دخول منافسين جددا ويحد الابتكار”.
الاعتماد الكبير على المواد الأولية المستوردة يجعل السوق الوطني رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، فيما يفرض الإطار القانوني القديم، و”آجال الأداء الطويلة” للشركات الكبرى، ضغوطًا مالية هائلة على الفلاحين الصغار، الذين يفتقرون إلى القوة التفاوضية للحصول على أعلاف بجودة وأسعار مناسبة، ما يعيق استثماراتهم وتوسع أنشطتهم، يضيف التقرير.
هذا الاحتكار يتزامن مع اعتماد كبير على المواد الأولية المستوردة، خصوصا الحبوب والنباتات الزيتية، مثل الذرة والشعير. ومع اشتداد موجات الجفاف وتقلبات السوق العالمية، ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، إذ قفز ثمن حزمة تبن القمح من 13 درهما إلى ما بين 30 و45 درهما.
أما الانعكاسات على الفلاحين الصغار فقد كانت مدمّرة. لقد اضطر العديد من مربي الماشية إلى بيع قطعانهم بنصف قيمتها الحقيقية أو التخلص منها، بعدما أصبح توفير الأعلاف شبه مستحيل.
وكشفت البرلمانية ثورية عفيف في سؤال كتابي (جلسة برلمانية 2024) عن حالات مأساوية لفلاحين صغار عجزوا عن تسديد أقساط القروض وفوائدها في إطار برنامج “تمويل الفلاح”، خصوصاً من فقدوا أبقارهم، إما بسبب الوفاة، أو باضطرارهم لبيعها بأثمان بخسة نتيجة ضعف المردودية.
ويعيش سوق الأعلاف بالمغرب على وقع احتكار بنيوي، وغلاء خانق، يهددان استقرار القطاع الفلاحي، ويضعان الفلاح الصغير في مواجهة مباشرة مع خطر الإفلاس والتهميش.
في السياق ذاته، تفاقمت أزمة القطيع بسبب ممارسات المضاربة والتلاعب في السوق، حيث يقوم من يُعرفون بـ”الشناقة” باحتكار قطاع الماشية، من خلال شراء أعداد كبيرة، للتحكم في أسعار اللحوم الحمراء. كما حذرت النقابة الوطنية للفلاحين من توظيف توزيع الأعلاف انتخابيا، ودعت إلى ضرورة التأكد من القيمة الغذائية للأعلاف المركبة.
أظهر الإحصاء الأخير لوزارة الفلاحة أن تعداد القطيع الوطني بالمغرب يبلغ حوالي 32.8 مليون رأس، موزعة على الأغنام (23.1 مليون رأس منها 16.3 مليون أنثى)، والماعز (7.4 مليون رأس منها 5.3 مليون أنثى)، والأبقار (2.09 مليون رأس منها 1.55 مليون أنثى)، والإبل (106 آلاف رأس منها 91 ألف أنثى).
لكن هذه الأرقام تتعارض مع تصريحات سابقة للوزير نفسه حول تراجع القطيع بنسبة 38%، مما أثار استفسارات برلمانية حول دقة الإحصاءات والفوارق الكبيرة بين التعدادين.
لمواجهة هذه الأزمة، لجأت الحكومة إلى استيراد 124 ألف رأس من الأغنام، و21 ألف رأس من الأبقار، و704 أطنان من اللحوم الحمراء، مع تعليق الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة على الماشية واللحوم. ويعكس هذا الاستيراد المستعجل من أستراليا عمق الأزمة، ويطرح تساؤلات حول جدية الحلول المستدامة للأمن الغذائي.
بالإضافة إلى ذلك، أطلقت الحكومة برنامجا جديدا لدعم القطيع الوطني، بكلفة 3 مليارات درهم في 2025 و3.2 مليار درهم في 2026، يشمل إعادة جدولة ديون 50 ألف كساب، بكلفة 700 مليون درهم، وتقديم دعم للأعلاف، يشمل لأول مرة الأعلاف المركبة للأغنام والماعز. كما تم إلغاء 50% من الديون التي تقل عن 100 ألف درهم لصغار الكسابة، و25% من الديون التي تتراوح بين 100 و200 ألف درهم، لفائدة مستفيدين يمثلون 75% من الفلاحين المستهدفين.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستستجيب الحكومة أخيرًا لنداء نقابة الفلاحة، الذي يدعو لإعطاء الأولوية للفلاحين والكسابة الصغار، أم ستستمر السياسات الحالية التي تُركّز الدعم على كبار المستثمرين وتهمّش الفئات الأكثر هشاشة؟ المستقبل سيكشف مدى جدية الإجراءات الجديدة، وقدرتها على حماية الأمن الغذائي، وضمان عدالة اجتماعية حقيقية في القرى المغربية.