الرئيسية

شبح العطش في دواوير “سيدي عبد الجليل”.. جرح مفتوح

يقف رجل خمسيني وسط أرض قاحلة، في دوار المخاليف بجماعة سيدي عبد الجليل، إقليم الصويرة. يحمل الرجل ملامح الإنهاك والانتظار، ويقول في فيديو بث على صفحات التواصل الإجتماعي، "نبحث عن الماء... يهددنا العطش... لا نملك ما نسقي به أبناءنا ولا ماشيتنا".

هوامش

هذا النداء ليس صرخة فردية، بل صدى لمعاناة تشمل أكثر من عشرة دواوير مجاورة، حيث يواجه السكان منذ سنوات طويلة، خصوصا مع تفاقم موجات الجفاف خلال العقدين الأخيرين، أزمة عطش خانقة جعلت الحياة اليومية معركة للبقاء.

العطش… جرح مفتوح

الماء، الذي كان في السابق يتدفق من العيون ويسهل جلبه من الآبار في جماعة سيدي عبد الجليل، أصبح اليوم نادرا جدا، والسكان الذين لا يملكون القدرة المادية على حفر آبار عميقة، يعيشون رهينة انتظار صهاريج قد تأتي أو لا تأتي. لقد تحوّل مشكل العطش، بعد العزلة وغياب الطرق المعبدة في هذه المناطق، إلى جرح مفتوح. 

  خلال هذا العام يصنف المغرب  ضمن أخطر بؤر الجفاف على كوكب الأرض  مع 23 دولة في البحر الأبيض المتوسط، حيث شهدت هذه المنطقة تحديات متزايدة تتمثل في ندرة المياه وتدهور الأراضي، وبحسب تقرير دولي حديث بعنوان ”مناطق الجفاف في العالم 2023–2025”، صدر عن تحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، فإن الوضع مقلق  على مستوى ندرة المياه والتغيرات المناخية في المغرب. وحذر التقرير من استمرار الاتجاه الحالي، لأن البلاد ستدخل في مرحلة “نقص مائي حاد” بحلول منتصف القرن الحالي.

جماعة سيدي عبد الجليل، إقليم الصويرة، جهة مراكش آسفي، تضم حوالي 6 آلاف نسمة، ترزح تحت وطأة الجفاف، وتعاني من مؤشرات اقتصادية تنموية متدنية. ويواجه سكان المنطقة تحديات عديدة في تدبير احتياجاتهم الأساسية من الماء. فالنساء والأطفال يضطرون للمشي لمسافات طويلة للحصول على المياه من مصادر بعيدة وغير مضمونة الجودة. هذا الوضع أثر سلبا على الأنشطة الاقتصادية، خاصة الزراعة وتربية المواشي التي تعتمد عليها الساكنة كمصدر رزق أساسي.

تشهد الجماعة أزمة مائية حادة بسبب الانقطاعات المتكررة لإمدادات المياه الصالحة للشرب. ويُظهر فيديو موثق من المنطقة مواطنين يصفون الوضع بـ”الكارثي”، حيث يضطر السكان لانتظار وصول الماء لساعات قليلة في الأسبوع.

في شهادة مؤثرة، يحكي أحد المواطنين: “كايوصنا لينا الماء ساعتين في اليوم، وعندنا البهايم راه الوضع صعيب”، معبراً عن الإحباط من تكرار الوعود دون تنفيذ.

فيما يعبر مواطن آخر عن إحباطه من الوعود الانتخابية، التي تتكرر منذ 20 عاما دون تنفيذ “يظهرون فقط وقت الانتخابات، وعدونا بأنهم سيعبدون الطريق، ويربطون شبكة المياه الصالحة للشرب، لكن عندما تمر الانتخابات لا أثر يذكر لهم، رئيس جماعة في سيدي عبد الجليل ظل 20 عاما على رأس الجماعة، لكن الأوضاع بقيت على حالها”. 

المنتخبون المحليون .. ممارسات مثيرة للجدل

علمت “هوامش” أن رئيس الجماعة يلجأ بشكل متكرر لإغلاق جلسات المجلس الجماعي بدعوى “أسباب أمنية”، ويستخدم بشكل “مفرط” المادة 48 من القانون التنظيمي للمجالس الجماعية وممارسات “تثير الجدل” في ظل “تدهور الأوضاع المعيشية” حسب إعلاميين محليين.

وفي غشت 2022، أقدم رئيس الجماعة على إغلاق دورة استثنائية خُصصت لمناقشة أزمة الماء. بعد أن وجه رئيس جماعة سيدي عبد الجليل، حميد الشقيف، دعوة رسمية لأعضاء المجلس لحضور أشغال الدورة يوم 22 غشت، وذلك استناداً إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية.

وتضمن جدول أعمال هذه الدورة ثلاث نقاط رئيسية، أبرزها التداول حول اتفاقية شراكة لتزويد جماعة سيدي عبد الجليل، وجمعية دار الجومة، بالماء الصالح للشرب عبر جمعية دوار إبت إبراهيم، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. 

وشدّد الرئيس في استدعائه على أهمية حضور الأعضاء لضمان النقاش والتصويت على هذه النقاط الحيوية، المرتبطة بتدبير خدمات أساسية في منطقة تعاني تحديات قروية متفاقمة. غير أن الاجتماع التي تم بشكل مغلق، وانتهى دون نتائج تُذكر.

وفي مشهد آخر انتشر في مايو 2023 مقطع فيديو يُظهر رئيس الجماعة وهو يغادر مسرعاً، متجنباً أي تفاعل مع المواطنين والصحافيين الذين حاولوا الاستفسار عن أوضاع المنطقة. وقد أثار هذا المشهد، الذي وثقته منصة إعلامية محلية، موجة واسعة من الانتقادات قبل أن يركب الرئيس سيارته ويبتعد عن المكان. وبرر الرئيس عدم إعطائه تصريحات بأنه “لم يستدع المستجوبين له ولا يعرفهم” حسب شريط الفيديو. 

ليس العطش فقط.. بل  تحديات يومية خانقة

في جماعة سيدي عبد الجليل، تخلف أزمة المياه آثارا اقتصادية واجتماعية وتنموية متشابكة، تعمّق هشاشة المنطقة وتضع سكانها أمام تحديات يومية خانقة. على المستوى الاقتصادي، أدى الجفاف وتراجع الموارد المائية إلى تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق أعداد من المواشي، ما أفقد العديد من الأسر مصدر رزقها الأساسي. كما ارتفعت تكاليف الحصول على المياه مع الاعتماد المتزايد على الصهاريج المتنقلة، وانخفضت القيمة العقارية للأراضي، فيما دفعت هذه الظروف السكان إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن فرص عيش بديلة.

أما اجتماعيا، فقد انعكست الأزمة على الصحة العامة بسبب اضطرار السكان أحياناً إلى استعمال مياه غير صالحة للشرب، في وقت يضطر فيه الأطفال إلى الانقطاع عن الدراسة للمساعدة في جلب المياه من مسافات بعيدة. هذا العبء يثقل كاهل النساء والأطفال على وجه الخصوص، فيما يؤدي النزوح القسري نحو المدن إلى تفكك النسيج الاجتماعي التقليدي الذي ظل يجمع الأسر لعقود.

وتكشف المؤشرات التنموية، عن حجم هذه المعضلة في جماعة سيدي عبد الجليل: معدل الأمية يصل إلى 58.8%، وهو أعلى بكثير من المعدل الوطني، في حين لا يتجاوز الحاصلون على التعليم العالي 2.9% من السكان. ورغم أن 50.9% من السكان يُصنفون كناشطين اقتصادياً، فإن نسبة البطالة المعلنة عند 6.8% لا تعكس الواقع القاتم، حيث تغيب فرص العمل المستقرة وتُثقل الأزمة المائية كاهل الاقتصاد المحلي.

كل هذه المعطيات تؤكد أن العطش ليس مجرد أزمة آنية في سيدي عبد الجليل، بل جزء من تحديات أكبر تُعرقل التنمية، وتعمّق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، في جماعة سيدي عبد الجليل.

حلول غير كافية لسد العطش

في مواجهة أزمة العطش التي تخنق عددا من دواوير إقليم الصويرة، سارع عامل الإقليم، إلى اتخاذ سلسلة من القرارات تهدف إلى ترشيد استهلاك المياه ومواجهة ندرتها. حيث تم فرض منع كلي لزراعة العشب الطبيعي، ومنع استعمال المياه التقليدية في سقي المساحات الخضراء، إضافة إلى تقييد أنشطة الحمامات ومحلات غسل السيارات، التي لم يعد مسموحا لها بالعمل سوى أربعة أيام في الأسبوع. كما شملت القرارات أيضا حظر زراعة بعض المحاصيل الزراعية المبذرة للمياه، مثل القرعيات، في محاولة للحد من الاستنزاف المفرط للموارد المائية.

هذه الإجراءات أثارت ردود فعل متباينة بين السكان، حيث اعتبرها البعض ضرورية أمام شبح العطش المتفاقم، فيما رأى آخرون أنها غير كافية ولا تلامس عمق معاناة القرى البعيدة، التي تعيش منذ سنوات طويلة تحت وطأة الجفاف.

في المقابل أعلنت السلطات المغربية العام الماضي عن فوز تحالف شركات، يضم Novec وLPEE وMapping، بمشروع إعداد الدراسات التقنية لإنشاء محطتين لتحلية مياه البحر في إقليم الصويرة وكلميم، بكلفة 14.66 مليون درهم، لمدة 14 شهرا، وبإشراف المكتب الوطني للماء والكهرباء، بعدما كانت الكلفة التقديرية للصفقة حوالي 23 مليون درهم.

وستشمل هذه الدراسات جميع الجوانب التقنية، فيما سترفع محطة الصويرة الطاقة الإنتاجية للماء إلى 53 مليون متر مكعب سنويا، لتلبية احتياجات الشرب والري.

في السياق ذاته، ترأس رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، مراسم توقيع مذكرة تفاهم مع مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، ضمن مخطط استعجالي لمواجهة الجفاف وتوفير مياه الشرب عبر محطات تحلية إضافية، في إطار البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب 2020-2027. 

وبيما شهدت جماعات تافضنة، وأقرمود، وسيدي بطاش، تدشين بعض هذه المحطات، غير أن جماعة سيدي عبد الجليل، التي تعتبر من أكثر المناطق شحا وعطشا، لم تستفد بعد من هذا البرنامج، ما جعل سكانها  يعيشون في أزمة عطش مستمرة منذ سنوات متعاقبة. 

وبين قرارات الترشيد ومشاريع التحلية، يظل سكان دواوير، مثل دوار المخاليف، عالقين في مواجهة قاسية مع العطش. فالمعاناة اليومية تتجدد مع كل صيف، وتزداد قسوة مع غياب حلول عملية وسريعة. في ظل هذا الواقع، يبقى مطلبهم الأساسي بسيطاً ومباشراً: الحصول على قطرة ماء تروي ظمأهم، وتعيد للحياة بعضاً من أملها المفقود.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram