مروان المودن – خنيفرة
انطلقت اليوم، 28 غشت الجاري، أولى جلسات الاستماع لدى قاضي التحقيق في قضية مقتل الطفل الراعي محمد بوسليخن، القضية التي هزّت إقليم ميدلت، وخاصة منطقة أغبالو أسردان بطريقة غير مسبوقة. فقد وجد الطفل محمد جثة هامدة في ظروف غامضة يوم 16 يونيو 2025، لتتحول هذه الواقعة الصادمة إلى قضية رأي عام وطني، خصوصًا بعد ما وصفه حقوقيون “محاولات طمس معالم الجريمة والتواطؤ في إخفاء الحقيقة”.
وسط هذا الضغط والتضييق، تخوض أسرة الضحية، وحقوقيون يؤازرونها، رحلة صعبة ومثيرة بحثا وراء العدالة وكشف الحقيقة كاملة حول ما جرى.
أصدرت النيابة العامة، يوم 9 يوليوز 2025، قرارا بتكييف ملف قضية الطفل محمد بوسليخن كـ”جريمة قتل عمد ضد مجهول” وفقًا للفصل 392 من القانون الجنائي، متجاوزة بذلك فرضية الانتحار التي كانت مطروحة سابقا، في خطوة جاءت بعد ضغط حقوقي واسع.
وكلف الوكيل العام للملك الأجهزة المختصة بالتحقيق في القضية، واستدعى عددًا من الأشخاص للاستماع، بينهم: والدا الضحية، والشخص الذي تقدمت الأسرة ضده بعدة شكايات (صاحب ضيعة)، وطفل كان برفقة الضحية وقت الحادث، بالإضافة إلى آخرين وردت أسماؤهم في شكايات الأسرة.
وتُعقد أولى جلسات التحقيق الإعدادي في القضية، اليوم 28 غشت الجاري، في انتظار أن تسفر عن خطوات حاسمة نحو كشف ملابسات الجريمة. فيما ينوب عن الأسرة فريق قانوني مؤلف من محاميين من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب أكثر من 25 محاميا متضامنا.
ويصر الدفاع، على رفض فرضية الانتحار، والتشديد على ضرورة استخراج جثة الضحية، وإعادة تشريحها بمعرفة لجنة طبية ثلاثية، واستخلاص الأدلة الجنائية من الصفر، بإشراف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. وتنتظر هيئة الدفاع أن تشهد جلسة التحقيق الأولى الاستماع للشهود الرئيسيين، ومواجهة الجهات القانونية بكامل تفاصيل القضية.
يقول كبير قاشا عضو لجنة الحقيقة “اليوم تنطلق أولى جلسات التحقيق في قضية مقتل الطفل الراعي محمد بويسلخن. وستؤدي لجنة الحقيقة والمساءلة في مقتل الطفل اليوم مجموعة من الأقساط القضائية في الملف، الجاني معروف كما تقول الأسرة”.
وأكد منسق لجنة الحقيقة والمساءلة، أنه “سيؤدى القسط المالي المطلوب لتغيير صفة الوالدين من شهود إلى مطالبين بالحق المدني”، بعد أن تقدم دفاع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بملتمس تأجيل الاستماع إلى أسرة الراعي إلى حين تقدمهما كمطالبين بالحق المدني وليس كشهود في تاريخ 11 سبتمبر القادم.
وكشف الحقوقي محمد أبوعالي عن معطيات جديدة حول جريمة مقتل الطفل محمد بوسليخن، قبل يوم واحد من انطلاق جلسات التحقيق. وأوضح أبوعالي أن المعلومات، التي نقلها عن شهود من سكان المنطقة، تفيد بأن شخصا قام بضرب محمد بين فخديه، ما أفقده وعيه، قبل أن ينقله المعتدي برفقة آخرين على متن سيارة “بيكوب” إلى طبيب محلي في أغبالو، وتم تغطية الطفل بغطاء أحمر، لكن الطبيب أكد لهم وفاة الطفل.
ويجري تداول هذه المعطيات التي نقلها أبوعالي بشكل واسع بين سكان المنطقة، “ما يجعل من الضروري فتح تحقيق دقيق في هذه المعطيات، وتعميق البحث حول ظروف وملابسات هذه الحادثة، مع ضرورة الرجوع إلى كاميرات المراقبة المثبتة قرب صيدلية غير بعيد عن عيادة الطبيب الذي يعتقد أنه عاين القتيل ذلك اليوم” يقول كبير قاشا.
انفجرت القضية بعد أن عُثر على جثة الطفل محمد بويسلخن (15 سنة) معلقة عند مجرى مائي قرب دوار آيت زعرور، في وضعية غريبة “راكعا والحبل يلامس الأرض”. كان الطفل يرعى الأغنام في تلك المنطقة. الطفل الذي ترك الدراسة ليعيل الأسرة بسبب مرض والده، لم يعد ذلك المساء إلى البيت، بينما رجع الفطيع بمفرده، لاحقا تم اكتشاف الجثة في مشهد أثار الريبة وأحدث صدمة واسعة بين الساكنة.
ظل مقتل الطفل غامضا لحوالي عشرة أيام كاملة، تخللتها “محاولات للتستر على الجريمة” والاحتفاء بـ”إفلات الجاني من المحاسبة”، وفق روايات حقوقية متواترة. وجرى نقل الجثة بواسطة سيارة إسعاف غير مخصصة لهذا الأمر، بينما يؤكد الحقوقيون أنه “وقع تلاعب في مسرح الجريمة”، في ظل غياب تحقيق جنائي جاد مع ترجيح فرضية الانتحار، وسط غياب الشرطة العلمية مدة طويلة وتأخر فتح تحقيق حقيقي.
في سياق متسارع، انتفض 12 فرعا من فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بجهتي درعة تافيلالت وخنيفرة بني ملال، وشكلت فيما بينها “لجنة الحقيقة والمساءلة” لمعالجة القضية، رافضة الرواية الرسمية للانتحار، وطالبت بكشف الحقيقة الكاملة وتقديم الجناة والمتواطئين للمحاسبة القانونية.
وقال أحد أعضاء لجنة الحقيقة في مقتل الراعي “نحن نصمت حين ينام الأطفال وليس حين يقتلون”.
لاحقا، انتقلت اللجنة إلى أغبالو، وأطلقت حملة محلية ووطنية دعما للأسرة التي تعرّضت للتهجير القسري من منزلها، واحتضنتها ساكنة تقجوين في موقف إنساني نبيل.
وتعرّضت أسرة الطفل محمد بويسلخن لتضييق ممنهج، بلغ حد التهجير القسري من منزلها بأغبالو وتكرار التهديدات لمنعها من السعي لتحقيق العدالة، خصوصًا مع رفضها فرضية الانتحار وتأكيدها تلقي الطفل لتهديدات متكررة قبل يوم الجريمة.
في ظل غموض الملف واستمرار ما تسميه لجنة الحقيقة والمساءلة “القصور والتراخي وغياب الجدية في البحث”، أعلنت اللجنة عن تنظيم اعتصام ومبيت ليلي رمزي بالشموع أمام محكمة الاستئناف بالرشيدية، يوم الجمعة 5 شتنبر 2025، ابتداء من الساعة السادسة مساء، مطالبة بكشف الحقائق الكاملة ومحاسبة كل طرف متورط. ودعت اللجنة كافة القوى السياسية والحقوقية والنقابية، وعموم المواطنين للمشاركة المكثفة، لضمان المحاكمة العادلة التي تحفظ حقوق الضحية وكرامة أسرته، وتعيد الثقة للرأي العام بصرامة الدولة.
ودعت اللجنة إلى فتح تحقيق شامل ومعمق مع كافة الأشخاص والجهات، سواء بين عناصر الضابطة القضائية، أو من روّج فرضية الانتحار، أو صاحب الضيعة، أو الشهود، أو من تواطأ في طمس المسرح الثاني للجريمة. فضلا عن مطالبتها بفتح تحقيق حول نقل الجثة بسيارة إسعاف غير مخصصة لذلك، وملابسات السماح بذلك من قبل رئيس الجماعة.
وطالبت اللجنة الحقوقية بحماية أسرة الضحية من الضغط والتهديدات، وتأمين حقها في العدالة والمواطنة.
ما زالت معركة كشف حقيقة مقتل الطفل الراعي محمد بويسلخن متواصلة على صعيد المجتمع المدني، والحقوقيين، والأسرة المكلومة، وسط علامات استفهام كبرى بشأن ملابسات الحادثة التي انتقل تصنيفها قضائيا من “انتحار” إلى “جريمة قتل عمد”.