محمد تغروت
يحتزن المجتمع المغربي طاقة هائلة تمثلها فئة الشباب، التي تُشكل 34.4% من إجمالي السكان (وفقا للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024). ورغم هذه “الفرصة الديموغرافية الذهبية”، يكشف تقرير حقوقي حديث صادر عن “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان”، عن واقع مؤلم يهدد مستقبل هذا الجيل.
وبينما يُفترض أن يكون الشباب قاطرة التنمية، تُظهر الأرقام أن “78% من حالات الوفاة أو الاختفاء في مضيق جبل طارق والمحيط الأطلسي خلال عام 2024 هم شباب دون الثلاثين عاماً”، في محاولات يائسة للهجرة غير النظامية.
هذا الرقم الصادم ليس مجرد إحصائية، بل هو صرخة مدوية تُجسد عمق التحديات التي يواجهها الشباب المغربي في مجالات التعليم، الشغل، الصحة، والمشاركة، وتدفعنا للتساؤل: ما الذي يدفع شبابنا للمخاطرة بحياتهم بهذه الطريقة؟ وما هي أبرز ملامح هذا الواقع الذي يستدعي وقفة جادة؟ هذا المقال يُقدم أبرز ما جاء في التقرير، مُسلطاً الضوء على نقاطه الأكثر إلحاحاً، في محاولة لفهم أعمق لوضعية الشباب المغربي، وسبل بناء مستقبل أفضل لهم.
الشباب المغربي فرصة ديموغرافية مهددة بالبطالة والإقصاء
يُشكل الشباب المغربي (15-34 سنة) 34.4% من السكان، ما يُمثل “فرصة ديموغرافية ذهبية” للتنمية. لكن تقرير “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” يُحذر من أن هذه الفرصة مهددة بتحديات هيكلية. وتُعد البطالة أبرز هذه التحديات، حيث بلغ معدلها الإجمالي 12.8% في الربع الثاني من 2025، وتراوحت ما بين 35.8% و 36.7%، خلال الفترة الممتدة من فبراير إلى غشت، في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين (15-24 سنة).
الأكثر إثارة للقلق هو أن نسبة البطالة بلغت خلال شهر يوليوز حوالي 40% في صفوف حاملي الشهادات العليا في بعض المناطق، مما يُبرز فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وسوق الشغل. كما أن 67% من الشباب العاملين يتواجدون في القطاع غير المهيكل، الذي يفتقر للحماية الاجتماعية وظروف العمل اللائقة، وفقا لبيانات البنك الدولي لعام 2024.
على الصعيد السياسي، يُعاني الشباب من ضعف التمثيل في المؤسسات المنتخبة وسط عزوف متزايد عن المشاركة. فنسبة الشباب المسجلين في اللوائح الانتخابية تراجعت من 30% في 2011 إلى 20% في مارس 2024، مما يُشير إلى فقدان الثقة في المؤسسات السياسية. ويُشدد التقرير على ضرورة تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، المنصوص عليه دستورياً، ليكون جسراً بين الشباب والمؤسسات، ويُعزز مشاركتهم الفاعلة في الحياة العامة.
التعليم والصحة: تحديات تعيق بناء جيل المستقبل
يُسلط تقرير “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” الضوء على تحديات جوهرية في قطاعي التعليم والصحة تُعيق تنمية الشباب. فعلاقة بالتعليم، لا يزال الهدر المدرسي يُشكل نزيفاً، خاصة في العالم القروي حيث بلغ 14.2% بالنسبة للفئة العمرية 15-17 سنة في 2024. كما يُؤثر الاكتظاظ في الأقسام (12.9% في الثانوي الإعدادي والتأهيلي) سلباً على جودة التعلم. بينما يُعاني التعليم العالي من عدم ملاءمة المناهج مع سوق الشغل، مما يُفاقم بطالة الخريجين.
أما في قطاع الصحة، فالوضع مقلق للغاية. إذ إن المغرب، وفقا للتقرير، لا يتوفر سوى على 319 طبيباً نفسياً في القطاع العام، وهو رقم بعيد جداً عن المعايير العالمية، مما يُؤثر على الصحة النفسية للشباب. وتُشير الأرقام إلى تزايد مقلق في معدلات الانتحار بين الشباب، رغم غياب إحصائيات دقيقة.
وفيما يخص مكافحة الإدمان، يُقر 9.4% من الشباب (15-24 سنة) بتعاطي “الحشيش”، وارتفعت حالات الاستشفاء المرتبطة بالمخدرات الصلبة بنسبة 47% بين 2018 و2023. والأخطر هو الارتفاع الكبير في الاستخدام غير الطبي للأدوية الصيدلانية بين القاصرين، وزيادة طفيفة في تعاطي الهيروين لنفس الفئة.
كما يُشير التقرير إلى وجود ستة ملايين مدخن في المغرب، منهم نصف مليون قاصر، و3.3 مليون مدمن على ألعاب القمار، 40% منهم معرضون لخطر الإدمان المباشر. وهذه الأرقام تُؤكد الحاجة الماسة لمقاربة شاملة للوقاية والعلاج وإعادة الإدماج.
شباب المغرب بين عطالة خانقة وتحول رقمي محدود
يُعد توفير فرص الشغل اللائق للشباب تحدياً كبيراً، فالمغرب يحتاج إلى 240 ألف منصب شغل سنوياً، بينما يدخل سوق العمل 350 ألف شاب وشابة. ورغم برامج دعم المقاولات الشبابية، إلا أن نتائجها الميدانية جاءت أقل من التوقعات بسبب غياب المواكبة الحقيقية وضعف التنسيق، مما أدى إلى ارتفاع نسبة إغلاق المقاولات المحدثة في السنوات الثلاث الأولى، كما يُشير تقرير “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان”.
وفي مجال التنمية المستدامة، يُظهر الشباب وعياً متزايداً بالقضايا البيئية، لكن الجهود الحكومية في التربية البيئية لا تزال محدودة. أما في التحول الرقمي، فبالرغم من قدرات الشباب الهائلة، إلا أنهم يواجهون تحديات في الولوج إلى البنية التحتية الرقمية، خاصة في المناطق القروية حيث لا تتجاوز نسبة الولوج إلى الإنترنت عالي الصبيب 34%. ويُشدد التقرير على أهمية التربية على المواطنة وحقوق الإنسان لبناء مجتمع ديمقراطي، وضرورة جعلها أكثر عملية وتفاعلية، وتكوين شباب قادة في هذا المجال.
شباب على الحافة: حريك، وعنف، وكراهية
أورد تقرير “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان”، أن الهجرة غير النظامية، أو “الحريك”، تُعد ظاهرة متزايدة بين الشباب المغربي، مدفوعة بالبطالة والإقصاء. ففي عام 2024، سجلت المنظمة الدولية للهجرة حوالي 2000 حالة وفاة أو اختفاء، في مضيق جبل طارق والمحيط الأطلسي، 78% منهم شباب دون الثلاثين، مما يُبرز حجم المأساة. كما تم إحباط أكثر من 78 ألف محاولة هجرة غير نظامية في 2024، وفقاً لوزارة الداخلية، مما يُشير إلى استمرار تدفق الشباب نحو المجهول.
وفي سياق متصل، تُشكل ظاهرة الجنوح والجريمة تحدياً آخر. إذ إن 43% من نزلاء السجون هم شباب دون 30 سنة، و63% من الجرائم المرتكبة في الأماكن العامة تأتي من قبل شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة. ويُشير التقرير إلى أن انتشار حمل السلاح الأبيض داخل المؤسسات التعليمية يعكس خللاً في المنظومة التربوية وغياباً جماعياً للمسؤولية.
أما العنصرية وخطاب الكراهية، فتُعد ظواهر مقلقة تُهدد النسيج المجتمعي. فقد كشف استطلاع رأي، أجرته “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” بالتعاون مع المركز المغربي للمواطنة في 2023، أن 87% من الشباب يؤيدون منع المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء من دخول المغرب، و55% يرفضون أن يُصبح المغرب بلد استقبال للمهاجرين. ويُلاحظ أن الشباب (18-35 سنة) يتبنون خطاباً أكثر عدوانية وعنصرية، مع تزايد حوادث العنصرية وخطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يستدعي تفعيل الإطار القانوني لمكافحة هذه الظواهر.
وشهد شاهد من أهلها
ختاما يُظهر تقرير “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان”، المحسوبة على حزب الاستقلال، أحد أضلع مثلث الأغلبية الحكومية في المغرب، أن الشباب المغربي، رغم كونه قوة ديموغرافية واعدة، يواجه تحديات هيكلية عميقة في التشغيل، والمشاركة، والصحة، والتعليم. كما يُعاني من آفة الهجرة غير النظامية، والإدمان، والجريمة، وتفشي العنصرية وخطاب الكراهية.
إن معالجة هذه التحديات تتطلب مقاربة شاملة تضع الشباب في صلب السياسات العمومية، وتضمن حقوقهم، وتُمكنهم من المساهمة الفاعلة في بناء مستقبل وطنهم. فالاستثمار في الشباب وتوفير بيئة ملائمة لازدهارهم هو مفتاح تحقيق التنمية المستدامة والشاملة في المغرب، مما يستدعي التزاماً سياسياً قوياً، وتنسيقاً بين القطاعات، وإشراكاً حقيقياً للشباب أنفسهم في صياغة وتنفيذ وتقييم السياسات التي تُؤثر على حياتهم.