محمد تغروت
بين صور البنايات الشاهقة والمشاريع العملاقة التي تُسوَّق في الإعلام الرسمي، يختبئ وجه آخر للمغرب… وجه صامت، باهت، يتآكل من الداخل. مدن تُفرغ من سكانها، وقرى تُهجر، ومناطق بأكملها تتحول إلى فضاءات مهملة لا تجد لنفسها مكاناً في خريطة التنمية. دراسة أكاديمية أنجزها الباحثان طارق حرود وماكس روسو، قبل أربع سنوات، ونشرت كفصل في كتاب جماعي حول “التراجع الحضري” كشفت هذه الحقيقة الصادمة: واحدة من كل خمس جماعات ترابية مغربية تعيش اليوم تراجعاً سكانياً واقتصادياً مقلقاً.
الدراسة، أنجزها الباحثان طارق حرود وماكس روسو، تكشف صورة مقلقة: بينما يلمع وجه المغرب في مشاريع عملاقة على الساحل الأطلسي، هناك وجه آخر باهت، مناطق بأكملها تتراجع ديمغرافياً واقتصادياً حتى باتت تُوصف بـ”المغرب في تراجع”، فكيف يمكن للمغرب أن يتجاوز انقسامه التاريخي بين “النافع” و”غير النافع”، ليصبح بلداً موحد المسار والمصير؟
تسليط الضوء على التراجع الترابي: ظاهرة صاعدة في المغرب
خلال العقود الأخيرة، قلما ركزت الأبحاث أو السياسات العمومية في المغرب على ظاهرة تراجع النمو أو الانحدار الديموغرافي والاقتصادي في عدد من المناطق. ويتضح، حسب الوثيقة الأكاديمية، أن ما يقارب خمس المدن المغربية تواجه اليوم ظاهرة تراجع ديموغرافي واقتصادي بنيوي. وتبرز الظاهرة خاصة في المدن والمناطق التي كانت مصنفة تاريخيا ضمن “المغرب غير النافع”. ذلك التقسيم الذي أقرته سلطات الحماية الفرنسية، وجسّدته سياسات اقتصادية وتنموية انتقائية ميزت بين مناطق “مفيدة” تقع غالبا قرب السواحل والسهول، وأخرى أقل حظا في الداخل أو الجبال أو المناطق الحدودية.
“المغرب غير النافع”: جذور التقسيم والتنمية غير المتوازنة
اللافت في مضمون الدراسة هو الربط التاريخي بين جذور هذا التفاوت المجالي والسياسات الاستعمارية التي كرست تمييزا جغرافيا بين مناطق ذات أولوية تنموية وأخرى مهمشة. مشيرة إلى أن المغرب بعد الاستقلال، قد حافظ، بشكل أو بآخر، على بنيات هذا التقسيم، إذ تميزت السياسات الوطنية باستمرارية الحضور القوي للدولة في المناطق القريبة من المركز وضعفه في الهوامش، خاصة في ظل نظام سياسي مركزي يغلب فيه الطابع السلطوي والتحالفات التقليدية مع نخبة من الأعيان القرويين.
أسباب التراجع الترابي: تعدد المتغيرات واختلاف تأثيرها
تشير الدراسة إلى أن أسباب التراجع الترابي في المغرب متعددة ومتداخلة، أبرزها التغير ديمغرافي، المتمثل في انخفاض حاد في معدلات الولادة والهجرة القروية، وتناقص معدلات النمو في العديد من المناطق الحضرية والريفية، وكذا سياسات تنموية انتقائية، تتمثل في هيمنة تركّز الاستثمارات العمومية والخاصة في الشريط الساحلي الأطلسي، ما أدى إلى تهميش المجالات النائية، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي، حيث تضررت المناطق الفلاحية من الجفاف وتدهور الموارد الطبيعية، خصوصاً في الأقاليم الجبلية والواحات.
كما تطرقت الدراسة إلى التوترات الجيوسياسية، معتبرة أن إغلاق الحدود مع الجزائر أثر بقوة على مدن مثل وجدة وجعل بعضها يتحول إلى مناطق عبور مهجورة، إضافة إلى تراجع النشاط المنجمي أو الصناعي، على شاكلة إغلاق أو تحديث مناجم في مدن مثل جرادة الذي أدّى إلى نزيف سكاني واقتصادي متسارع.
خريطة التراجع: من الجبال إلى الواحات والمدن التاريخية
ينتشر التراجع الترابي في أنحاء شاسعة من المغرب، إذ رصدت الدراسة نحو 180 جماعة حضرية وقروية في حالة تراجع دائم، موزعة على أربعين إقليماً. وتتركز أكثر المناطق تضرراً في الريف والشمال (منطقة الحسيمة والدرويش)، الجنوب (إقليمي طاطا وتارودانت)، الشرق (وجدة وجرادة)، بالإضافة إلى إقليم خريبكة. حتى داخل المدن الكبرى، تعرف بعض الأحياء والمُدن التاريخية القديمة أشكالًا من التراجع والفراغ الديموغرافي مع تدهور البناءات وتزايد مستويات الفقر والهجرة نحو الضواحي الجديدة.
نماذج مختلفة للإهمال والتعامل المركزي
تقدم الدراسة تحليلا معمقا لثلاثة نماذج من المدن المنجمية كمؤشر لتعامل المركز مع الهامش:
انعكاسات اجتماعية وسياسية: شرخ بين الهامش والمركز
وأوضح الباحثان أن هذه الأوضاع المتمثلة في التوزيع غير العادل للثروة والسياسات الترابية لم تبقَ مجرد أرقام جامدة، بل تحولت إلى صرخات اجتماعية مدوية، فمن انتفاضة سيدي إفني سنة 2008، إلى حراك الحسيمة 2016-2017، مروراً باحتجاجات جرادة سنة 2018. كلها رسائل من الهامش تؤكد أن التراجع الترابي ليس شأناً اقتصادياً فحسب، بل قضية سياسية بامتياز ترتبط بشكل العلاقة بين المركز والهامش، إذ أدى شعور سكان هذه المناطق بالتهميش والتمييز إلى انفجارات اجتماعية متكررة، دفعت المركز إلى تبنّي حلول ترقيعية لم تغير كثيراً من العمق البنيوي للأزمة.
هل يحوّل المغرب تحديات التراجع إلى فرصة إعادة البناء؟
يكشف الفصل بوضوح أن التراجع الترابي في المغرب ليس ظرفياً ولا عرضياً؛ بل يمس إحدى أهم معضلات التخطيط وتوزيع الثروة والتنمية المجالية. وبينما يظهر أن دوائر القرار بدأت تستشعر خطورة الظاهرة مع “صعودها القسري” إلى الأجندة الوطنية تحت ضغط الشارع، يبقى السؤال: هل يقود ذلك إلى مراجعة حقيقية للسياسات الترابية وتنمية حقيقية للهامش، أم أن المركز سيواصل انتقائيته مفضلاً “الحلول الانتقائية” وإخماد الحرائق؟
سؤال المستقبل: أي مغرب نريد؟
خلصت الدراسة إلى أن المغرب اليوم بلد بوجهين، وجه يلمع في واجهات الإعلام الدولي عبر مشاريع ضخمة وناطحات سحاب، ووجه آخر يختفي في صمت، يتآكل سكانيا واقتصاديا، وبين الوجهين، تتسع الهوة وتكبر الأسئلة: هل يمكن أن تستمر التنمية بوجه واحد فقط بينما الوجه الآخر ينحدر؟ وهل يمكن ضمان الاستقرار إذا تُركت مناطق كاملة خارج خريطة التنمية؟
الدراسة لا تقدم أجوبة جاهزة، لكنها تطلق إنذارا واضحا: لا يمكن بناء مغرب متوازن ومزدهر دون عدالة ترابية تُعيد الاعتبار للهامش.