الرئيسية

الزربية الواوزكيتية .. رسائل بوح نسائي يكتمها منطق السوق

الزربية التقليدية ليست مجرد لوحة نسجتها أنامل نسوة، على "أسطا" من أعمدة خشب لوز أو زيتون وما جادت به الطبيعة، فبين ثنايا خيوط الصوف الملون، رسائل بوح تحمل أحاديث نسوة وأخبار أمهات وجدّات.منصة هوامش تنقلت بين سفوح تازناخت، متتبعة أثار خيوط الصوف، للبحث عن معنى إشارات نسجت على وجه زربية قبائل آيت واوزكيت.

سامي صبير
تمتد مراعي “سيروا” على مساحة واسعة جنوب غرب مدينة ورزازات، بين جبال الأطلس ومشارف الصحراء، هنا تبدأ أولى تفاصيل بحثنا في تاريخ تختزل جزءا منه، مخطوطات من خيوط صوف، تحمل بين ألوانها حكايات مخفية لأهالي قبائل آيت واوزكيت، فكما اكتشف الإنسان القديم طاقة الصوت والإيماءات، اكتشفت نساء تازناخت طاقة رموز الزرابي، فجعلن منها صحفا للبوح.

رسائل بوح نسائي مخفي

داخل مجمع للتعاونيات، تنتصب مجموعات من الزرابي الصوفية بألوان طبيعية، تلف الجدران العالية، وتشكل مشهدا فسيفسائيا، أو ما يشبه لوحة كبيرة من الألوان والأشكال الهندسية، في قاعة للعرض التقينا لطيفة الداودي، نساجة ورئيسة المجموعة ذات النفع الاقتصادي “تاكظيفت”  بتازناخت.

بحسب لطيفة الداودي “الأشكال الهندسية والرسومات والألوان في الزربية الوزكيتية وغيرها، تعد لغة تعبر عن الفضاء والمشاعر، وقد لعبت دورا في نقل أخبار العرائس إلى أهلهن”، لذلك تؤكد الداودي، في حديثها لمنصة هوامش، أنه “لا يمكن التكلم عن الزربية الواوزكيتية دون استحضار المرأة، فهي تعد مرآة تعكس ما يجول في خاطرها وأحداث حياتها اليومية، كما كان يتم عبرها نقل الرسائل بين العائلات والقبائل”.

لطيفة الداودي

 

استخدام الزربية كوسيلة للتواصل توضحه المتحدثة “حين كانت تتزوج الفتاة وتنتقل للعيش مع زوجها، كانت تبدأ بنقل أخبارها لأهلها عبر الزرابي التي تنسجها وترسلها كهدية لهم، ومن خلال ألوانها ورموزها تكشف عن حال حياتها الزوجية، فعند الحزن أو السعادة نجدها تستخدم ألوانا تعبر عن هذا الشعور ورموزا تشير إلى أشكال البيئة التي تعيش فيها”.

وتضيف الداودي، بأن “العديد من الرموز لها مدلول في الثقافة الأمازيغية، مثل رمز الخلخال والذي يعني المرأة، والجمل رمز الصبر، إلى جانب رموز أخرى تعبر عن الفضاء المحيط بالنساجة مثل الحيوانات الأليفة ومشاهد الطبيعة”.

عبد الرحمن جناح، باحث في الزرابي الواوزكيتية، يؤكد في حديث لمنصة هوامش، بأن الزربية “ليست مجرد بساط لتأثيث المنزل، فهي تشبه الكتاب، كونها تحمل ثقافة المنطقة”، موضحا بأن هذا يتجلى في “الأشكال الهندسية والرموز المنسوجة على وجه البساط، وهي تعبر عن الثقافة الأمازيغية للمنطقة”.

“حديث ومغزل”

بعيدا عن المدينة بين سفوح “سيروا”، شمال شرق بلدة تازناخت على بعد 68 كيلومترا، يقع دوار أماسين، ليس من اليسير الوصول إلى الدوار بالاعتماد على وسائل النقل العمومي، لذلك عليك أن تنتظر مرور مركبة لنقل الخضر والبضائع والأغنام، التي تقصد أحد الأسواق الأسبوعية القريبة من الدوار.

هناك التقينا حبيبة، سيدة في عقدها الثامن، وبرغم تعب السنين والمرض، مازالت حريصة على جعل تنشيط ذاكرتها بأجواء شبابها، فجعلت المحل الطيني الذي لا يتجاوز عرضه المترين وطوله الثلاثة أمتار، يبدو كخشبة عرض، تقود فيه الأهازيج وإلى جانبها بنتاها ترددان الكلمات، مثل كورال أو أوركسترا خلف مايسترو.

“حديث ومغزل”، بهذه العبارة يمكن تلخيص المشهد، حيث تتوزع الأدوار بين تمشيط الصوف وغزله ونسجه، لكل واحدة من النسوة دور محدد في عملية تشكيل الزربية، وكأنها خلية نحل نشيطة، وبين صوت مشط الصوف وحركة “آسطا”، تتبادل النسوة الأحاديث والأخبار، دون أن تخفّ وتيرة العمل.

السيدة حبيبة

تمر عملية نسج الزرابي من مراحل متسلسلة، بدءا من تحضير المادة الأولية الأساسية، وهي الصوف المحلي، حيث تتميز منطقة “سيروا” بكونها موطن نوع خاص من الخرفان، قصيرة القامة وذات صوف ناعم وطويل، مما يمنح الزربية الواوزكيتية توقيعا خاصا، كما تستخدم النباتات مثل قشور الرمان، والحناء والزعفران والأعواد، وغيرها من الأعشاب التي يمكن أن تستخلص منها الألوان الطبيعية، لصباغة الصوف.

يقول أحمد وهو ابن حبيبة البكر، إن غزل كيلوغرام واحد من الصوف بالطريقة التقليدية، قد يستغرق خمسة عشرة يوما من العمل المتواصل، وذلك مقابل 50 درهما، أي ما يعادل تقريبا أجرة 3 دراهم ونصف درهم لليوم الواحد، وهو مبلغ زهيد جدا مقارنة مع الجهد المبذول والوقت.

ويوضح أحمد، بأن نسج زربية بمقاس مترين على متر ونصف، يلزمه 20 يوما أو أكثر، حيث تقضي النساء يومهن أمام ما يطلق عليه باللغة الأمازيغية (أسطا) وهو منسج تقليدي يتشكل من قائمتين تحملان عارضة خشبية تتدلى منها خيوط من الصوف، وتخترقها من الوسط أفقيا ساقان من القصب تباعدان بين الخيوط بشكل متعاكس، مما يسمح برص تشكيلة من الخيوط الملونة على شكل صحيفة ترسم عليها الرموز والأشكال.

النسيج نشاط اقتصادي وحيد يقاوم الاندثار 

“تمتد قبائل آيت واوزكيت من جبل توبقال إلى تخوم زاكورة شرقا؛ تمثل تازناخت مركزا لهذه القبائل، وتضم 5 جماعات قروية، كما تضم أكبر تجمع في إفريقيا لنساء يعتمدن على النسيج كنشاط اقتصادي أساسي، حيث يضم أزيد من 22 ألف نساجة”، يقول الباحث عبد الرحمان جناح.

في هذه المنطقة، الأنشطة الفلاحية محدودة بسبب طبيعة الأرض البركانية، وبالكاد توجد وظائف قارة وفرص عمل، لهذا تعد تربية الماشية والنسيج مصدري دخل أساسيين، خصوصا بالنسبة للنساء.

الباحث عبد الرحمان جناح

ويوضح جناح، في حديثه لمنصة “هوامش”، بأن “الزربية هي ما تعتمد عليه النساء كمصدر دخل، حيث لا يوجد نشاط أخر يمكنهن اللجوء إليه، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية والتساقطات الثلجية التي تشهدها المنطقة”.

وتشير رئيسة المجموعة ذات النفع الاقتصادي، لطيفة الداودي، إلى إن منطقة تازناخت لا تضم أنشطة اقتصادية توفر فرص الشغل، مثل المصانع أو الشركات، ولهذا فإن النسيج يعد النشاط الاقتصادي الوحيد المدر للدخل بالنسبة للنساء.

وتضيف الداودي، “لم يعد الإقبال على الزرابي الصوفية كما في الماضي، ولم تعد أسعار البيع تعكس القيمة التي تستحقها، إلى جانب عدة إشكالات أخرى تواجهها النساء مثل التسويق”.

نساء تازناخت .. فنانات تجريديات بالفطرة 

يميز الفنان التشكيلي، محمد آيت موش، بين نوعين من الزرابي، “إحداهما حضرية تنتشر في مناطق مثل مدينة فاس، وأخرى قروية شأن زرابي آيت واوزكيت، ويكمن الفرق بينهما في أن الأولى تعتمد على مخطط أولي لتصميم شكلها النهائي، بعكس القروية التي تعتمد على العفوية، فيما يشبه مغامرة تنسج فصولها النساء بناء على ما يختزنّه من حياتهن اليومية، وبما يعكس انفعالاتهن دون تخطيط مسبق”.

ويضيف محدثنا، أن “عملية النسيج تعتبر القناة الوحيدة التي تعبر المرأة من خلالها عن مشاكلها، فهي تتكلف بكل شيء، تجمع الحطب وتجلب الماء وتطهو، وهذه الأشياء اليومية في حياتها تفرغها في جلوسها أمام المنسج”، مشيرا إلى أن الألوان المختارة تحمل بدورها دلالة رمزية تكمل الأشكال، لافتا إلى أنه رغم كون النساء لم يتعلمن ذلك في المدارس، إلا أنهن يعرفنه بطريقة عفوية متوارثة.

وأشار آيت موش إلى أن الأشكال في زرابي تازناخت تعبّر أولا عن الأشياء المحيطة بالمرأة، فمثلا عند ذهابها لجلب الماء تكون قد قطعت مسافة من الطريق شحنت خلالها مخيلتها ومشاعرها، وكل ذلك تعيد إفراغه في المنسج.

حاول محمد آيت موش، أن يستقي تجربته الفنية من خلال لفت الانتباه إلى لوحات الزرابي، والتي وجد فيها أسلوبا متفردا جسده في لوحاته، ويقول، في حديثه لمنصة “هوامش”، إن “المرأة الواوزكيتية فنانة تشكيلية، حيث تنطلق من الصفر ثم تبدأ بوضع الأشكال والألوان، وهذا يتطلب طريقة فنية وأسلوبا وتعبيرا لتنتهي إلى إنتاج زربية”.

محمد آيت موش

“إغرم” .. كان الصوف بقيمة الذهب 

على جرف صخري شاهق، يطل على دوار أماسين، يوجد مخزن ودائع يعد الأقدم في المنطقة، ويشار إليه بالأمازيغية باسم “إغرم”. هذا المكان المنعزل، كان في الماضي مخصصا لتخزين الصوف، إلى جانب محاصيل الحبوب، بالإضافة إلى الزيت والأموال، وتعهد مسؤولية الإشراف عليه وتدبيره، من طرف مجلس القبيلة، إلى شخص أمين يسمى “أدواب”، توكل له مهمة الحراسة وتسيير نشاط “إغرم”.

بمجرد فتح الأبواب الصغيرة لغرف المبنى الحجري، الرابض على الجرف، يندفع هواء بارد منعش، رغم الحرارة الشديدة في الخارج، ويعود تاريخ بناء المخزن بحسب الرواية المتداولة، إلى خمسة قرون ونصف.

إغرم

عمر آيت القاضي، وهو المكلف بالسهر على المكان (أدواب)، يقول “في الماضي كان تحفظ فيه المواد القيمة مثل التمور والقمح والزيت والصوف وغيرها، وذلك خشية الحروب والجفاف”.

“لم يكن الصوف يلعب دورا مهما فقط في نشاط نسج الزرابي، بل أيضا كانت تسمح قيمته الثمينة باتخاذه عملة للتبادل وشراء الحاجيات”. يقول عمر آيت القاضي، ويضيف “بكيلوغرام واحد كان يمكن شراء الطعام والسلع، بعكس اليوم”.

رغم الثراء والغنى الرمزي، الذين يحملهما هذا الموروث الشعبي لقبائل آيت واوزكيت، إلا أن عائداته المادية لا تكفي اليوم النساء النساجات للخروج من وطأة الفقر، إذ لا يصل مدخولهن اليومي، من هذا النشاط، أحيانا إلى 14 درهما.

ونتيجة تراجع عائدات النسيج التقليدي، بدأت معالم اندثار هذه الحرفة في الظهور بشكل جلي في جميع مراحل إنتاجها، وفي الوقت الحاضر، لا يتجاوز تداول الزربية الوزكيتية اعتبارها سلعة يمكن من خلال كسب القليل من المال، فأصبحت لغتها ورموزها خاضعة لقانون السوق، وكفت خيوطها عن بوح أسطوري.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram