الرئيسية

“من شنق طفل ميدلت راكعًا؟” مأساة تهزّ الضمير الإنساني

عُثر على محمد بويسليخن، الراعي الصغير من أغبالو، مشنوقًا وهو راكع والحبل يلامس الأرض يوم 16 يونيو 2025 في ظروف تثير الشبهات. بعد مرور شهر على الحادثة، تواصل التحقيقات القضائية وسط تساؤلات متزايدة حول صحة فرضية الانتحار. السكان المحليون والجمعيات الحقوقية يرفضون بقوة رواية الانتحار، مؤكدين أن الأمر يتعلق بجريمة قتل مموهة ببراعة. الأدلة الموجودة في مسرح الحادث تدعم شكوكهم: حبل قصير، قطع خشبية، وغياب الحذاء عن قدمي الطفل.

نعيمة شرعي – لوربوتير – ترجمة منصة هوامش 

ما تزال التحقيقات القضائية جارية، فهل ستنسف فرضية انتحار الراعي الصغير من أغبالو، محمد بويسليخن؟ أين وصلت تفاصيل البحث بعد مرور شهر على العثور على جثة الطفل، وقد فارق الحياة في ظروف غامضة تُثير الكثير من التساؤلات والشكوك؟

حادثة مأساوية واستثنائية أيقظت الضمير الجمعي؛ محمد بويسليخن، الراعي الصغير في أغبالو، الذي أصبح رمزًا للحزن والغضب الشعبي، عُثر عليه “مشنوقًا”، يوم 16 يونيو 2025، لكن بطريقة غير مألوفة: كان راكعًا، والحبل يلامس الأرض!

فهل يُعقل أن ينتحر طفل بتلك الهيئة؟ وهل يمكن لإنسان أن يشنق نفسه وهو راكع؟

هذه التفاصيل الغريبة فجّرت موجة سخط واستنكار في أوساط السكان المحليين وعدد من الجمعيات الحقوقية، التي ترفض القبول برواية الانتحار، وتُصرّ على أن ما جرى هو جريمة مدبّرة تم تمويهها بذكاء.

فالأدوات التي وُجدت في مسرح الحادث — من حبل وقطع خشبية وغياب الحذاء عن قدمي الطفل — توحي بأن هناك من خطط لإخراج المشهد على أنه انتحار، في حين أنه قد يكون جريمة قتل محبوكة.

وتحاول منظمات المجتمع المدني اليوم، البحث في خلفيات هذه الحادثة المؤلمة، وتتساءل: من يريد إسكات الحقيقة؟ ولماذا يُعامل موت محمد بهذا التبسيط المريب؟ أليس من واجب الدولة كشف ما حدث لطفل لا حول له ولا قوة؟

قافلة تضامنية باتجاه أغبالو 

يوم الأربعاء 15 يوليوز، خلال السوق الأسبوعي، نظّمت أربعُ فروع من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قافلة جمعوية نحو أغبالو. الهدف: الوصول إلى أكبر عدد ممكن من السكان، ولاسيّما سكّان دوار آيت زعرور، لأخذ نبض الأهالي، وقبل كل شيء لسماع أصوات من يخشون كشف معلومات معيّنة حول هذه القضية، كما صرّح لـ«لو ربورتر» كبير قاشا، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (فرع خنيفرة).

ما وقع للطفل محمد أحدث رجة عميقة لدى سكّان هذه المنطقة. و طالب كثير من الأهالي بأجوبة واضحة، مصدومون ومتمرّدون، يصرّون على كشف الحقيقة. وقد صرخوا بذلك عاليا خلال التجمّع المنظم يوم الأربعاء 15 يوليوز في مركز أغبالو.

في هذا اليوم من السوق الأسبوعي، حضر حشدٌ كبير من سكان هذه الجماعة ذلك التجمّع. ساد المكانَ جوٌّ من الحزن والغضب، وجسد المشهد فداحة المأساة التي هزّت المنطقة. قال أحد القرويين: «من غير المعقول أن يُنهي طفلٌ حياته بهذه الطريقة، بوسائل بدائية إلى هذا الحدّ. وفوق ذلك هو مُعلَّقٌ راكعًا».

انتقل أعضاء من الجمعية، الأربعاء، برفقة أسرة بويسليخن، إلى المكان الذي عُثر فيه على محمد جثة هامدة، لمعاينة مسرح الجريمة. في نفس المكان، أوضح الناشط كبير قاشا، والغضب يملأ صوته وحركاته: «عندنا، حبل المشانق أقصر من طول الضحايا، ومع ذلك يقتلهم! الحبل لم يلتفّ أبدًا حول عنق الطفل محمد… لا بد أن ‘نأكل الطباشير’ أو البرسيم لنصدّق حكاية الانتحار!» ثم تابع: «ولهذا سنواصل الإصرار على الطابع الجنائي للحادث».

ويُدين محدّثُنا أيضًا أيَّ شكل من أشكال الإهمال المحتملة في هذه القضية: «لا نكتفي بالمطالبة بكشف الحقيقة حول مقتل الطفل محمد، بل نُصرّ كذلك على توسيع التحقيق ليشمل كلَّ من تورّط في هذه الجريمة البشعة وتقديمهم للمتابعة والمحاكمة».

ويشرح بالمناسبة أنّ بعض الأشخاص التقَوا علي بويسليخن، ابن عمّ الضحية، وحاولوا إقناعه بأنّ موت محمد ناجم عن اليأس. «لماذا؟» يتساءل كبير قاشا. ويضيف: «سنجعل من هذه القضية أولوية مطلقة إلى أن تكشف الحقيقة حول هذه الجريمة الشنيعة». ويُعلِم في السياق نفسه بأنّ مناضلي الجمعية ما زالوا يتشاورون حول خطوات جديدة وفق تطور الملف ومآله.

ما يقوله ابن العمّ

اتصلنا بابن عمّ محمد، علي بويسليخن، الذي يتواجد في الميدان من أجل العائلة لخوض معركتها لكشف الحقيقة.

مسارٌ جنائي، تصفية حسابات، أم عملُ انتقام مقنّع في صورة انتحار؟ هل سيتخذ التحقيق منعطفا جديدا بعدما بدا في البداية متّجهًا نحو فرضية الانتحار؟ هل ستُثبت التحقيقات الجارية أطروحة انتحار الطفل الراعي؟ أين وصل التحقيق بعد شهر من العثور على جثة الراعي الصغير محمد بويسليخن، مشنوقا في ظروف أقلّ ما يقال عنها إنها مثيرة، يوم الاثنين 16 يونيو قرب بئر في منطقة جبلية بدوار آيت زعرور التابع لجماعة أغبالو ن سردان (إقليم ميدلت)؟

كلّ هذه الأسئلة وغيرها طرحها علينا الأهالي خلال زيارتنا يوم الاثنين 20 يوليوز لدوواير أغبالو (إقليم ميدلت).

بالنسبة إلى أسرة بويسليخن، بدا موتُ محمدينو، كما تحبّ أمه تودا أن تسميه، جريمة منذ البداية. ستتخذ الأم، مدعومة من الجمعية، مسارًا آخر تماما؛ إذ نظّمت وقفة احتجاجية يوم الأربعاء 9 يوليوز أمام مقر النيابة العامة للمطالبة بالعدالة.

وإذا لم يكن التحقيق يسير بسلاسة كما في حالات مشابهة، تفكر الأسرة في تنظيم وقفة احتجاجية جديدة أمام محكمة الاستئناف بالرشيدية، وفق ما أفادت به الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (فرع خنيفرة)، التي تعتزم قريبا عقدَ ندوة صحفية لإطلاع الرأي العام على مستجدات الملف.

صرّح علي بويسليخن قائلا: «نحن بحاجة إلى معرفة مكان الحقيقة لنتمكن من العيش بسلام. نريد أن تُسخَّر وسائل العدالة لإنقاذ روح ابن عمي محمد».

تستبعد عدة منظمات غير حكومية منذ الآن فرضية الانتحار. في هذا السياق، كانت الجمعية المغربية بصفتها منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان، قد جدّدت دعوتها إلى فتح تحقيق قضائي معمق لتحديد المسؤوليات، خاصة وأن كل المؤشرات تدل على موت مأساوي للطفل الراعي محمد الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.

من جهته، وفي السياق نفسه، ذكّر علي بويسليخن بأنّ العائلة، استنادًا إلى مصادرها وإلى مصادر أخرى متطابقة من شهود وصحفيين، بل ومن العدالة ذاتها، ترى أن الأمر يتعلق فعلا بعمل إجرامي وليس انتحارا، مشيرًا إلى أن محمد لم يكن يعاني أي مشكلة نفسية ولا أي مرض، ومؤكدا أنّ العائلة ستدخل عما قريب في مواجهة ميدانية مع السلطات المختصة بإجراءات على الأرض.

ووفقا لمصادر متطابقة، حاول بعضُ الأشخاص في ولاية إقليم ميدلت توجيه بعص الصحافيين المحليين في تغطية حادث الراعي، وتؤكد مصادِرنا أن مجموعة «واتساب» الخاصة بالصحافيين المّكلفين بتغطية الشأن المحلي في هذا الإقليم كانت، منذ البداية، تُلحُّ على أطروحة انتحار الطفل-الراعي، فيما لم يكن قد فُتح أي تحقيق بعد. أمرٌ غريب، تقول مصادرنا.

هل ضاعت أدلّة محتملة؟

أين وصلت التحقيقات؟ لم يُنشَر بعد أي بلاغ رسمي حول هذه المأساة التي هزّت الرأي العام. غير أنّ نتائج التشريح سُلِّمت فعلا إلى القضاء، وفق ما أكده ابنُ عمّ الضحية، علي، الذي أُبلغ بذلك يوم الأربعاء 9 يوليوز في مقرّ النيابة العامة، عقب اعتصام نظمته العائلة أمام المبنى نفسه بالرباط. ويُقال إنّ تحرّيات الشرطة العلمية لا تزال جارية، وأنّ تقرير الخبرة الطبّية-القضائية سيجهز قريبًا، حسب مصدر قريب من الملف.

بالنسبة إلى العائلة، بدا موت محمد مريبًا؛ فطريقة العثور على الجثمان وسرعة الدفن قد توحيان بمحاولةٍ لإخفاء أدلّة. ويعترض نشطاء على أنّ الشرطة العلمية لم تُستدعَ فورا لمعاينة مسرح الجريمة والحبل المستخدم في الشنق الغريب، رغم أنّ تدخّلها كان ضروريًّا. ويرى هؤلاء أنّ العناصر الأولى التي وصلت إلى الموقع كان ينبغي أن تُنبّه الشرطة إلى الجوانب المقلِقة للحادث، منعًا لأيّ طمسٍ لأدلّة محتملة. بدل ذلك، اعتُبر الطفل منتحرًا! بل أكثر من ذلك، يقولون إنّ تاريخ وفاة محمد تمّ تغييره ودُفن بعد يومين فقط من الحادث. لماذا؟ يتساءل الناس. كلّ ذلك قد يمنع تحديد حقيقة ظروف موت محمد، تتحسّر مصادرنا.

هل ضاعت أدلّة محتملة، بعدما لم تتدخّل الشرطة العلمية إلا بعد مرور 25 يومًا على المأساة؟ أفاد ممثّل أسرة بوييسليخن، علي، لـ«لو ربورتر» بأنّ عناصر الشرطة العلمية انتقلوا يوم الجمعة 11 يوليوز إلى بومية للاستماع إلى والدي الفقيد، ثم استمعوا إلى صاحب الضيعة المعنية وإلى عاملين اثنين بها.

ويضيف محدّثنا أن المحقّقين أخذوا عينات وجمعوا آثارًا وبصمات وغيرها من القرائن من مسرح الجريمة، بما في ذلك الحبل الذي كان حول عنق محمد. وقد أُحيل هذا الحبل على خبير في الأنسجة الخلوية، لكن نتائج التحاليل لم تُسلم بعدُ إلى القضاء، وفق ما تؤكده أسرة الضحية.

أسرة بويسليخن ترجّح الفرضية الجنائية

سيظل يوم الاثنين 16 يونيو 2025 محفورا في ذاكرة عائلة بويسليخن. بعد ظهر ذلك اليوم أقلق تأخّر محمد عائلته القاطنة في دوار آيت زعرور بقرية أغبالو، في قلب الأطلس المتوسط . قرابة السادسة مساءً، انطلقت العائلة بحثا عنه بقلق شديد. وفي اليوم الموالي، عُثر عليه جثة معلّقة قرب إحدى الضيعات.

في البداية اعتبرت السلطات أنّ الأمر انتحار، لكن مصادر متعدّدة ندّدت بتغيير تاريخ الوفاة وبدفنه بعد يومين فقط من الحادث، ما أثار الشكوك حول محاولة طمس الأدلة. ومع انتشار فرضية الفعل الإجرامي المموَّه في صورة انتحار، يزداد اقتناع السكان باستحالة أن يُقدِم طفل على إنهاء حياته بهذه الطريقة.

استغلال وهشاشة

دفعت الهشاشة أسرة بوييسليخن إلى مغادرة أزيلال قبل أربع سنوات والاستقرار في آيت زعرور. يعاني الأب من مرض مزمن، فاضطر محمد إلى ترك المدرسة وتولّي رعي الأغنام لإعالة العائلة. وكان يستعان به أيضا في جني التفاح والبطاطس والجزر وغيرها من المحاصيل الموسمية، لقاء أجر لا يتجاوز رُبع ما يحصل عليه صاحب القطيع، من دون راتبٍ شهري؛ استغلال يصفه ناشط جمعوي بأنّه «ممارسة يفترض أنّها اندثرت منذ أربعة قرون».

ويشير الناشط ذاته إلى أنّ الإعانات الحكومية لم تعد تصل إلى هؤلاء القرويين، وأنّ الفقر والإقصاء يطبعان حياة السكان، خصوصًا الأطفال المحرومين من التمدرس، الذين أُجبروا على العمل القاسي منذ سنّ مبكّرة. كما يلفت إلى أزمة المياه وتقلّص الموارد المائية جرّاء الاستغلال المفرط للفرشات من طرف الضيعات الفلاحية الكبرى.

لقراءة المقال بالفرنسية المرجو النقر هنا

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram