الرئيسية

شهادات من قلب الجحيم.. هكذا عاش مغاربة اسبانيا أسبوع الرعب

في بلدة تورّي باتشيكو، بمقاطعة مورسيا الإسبانية، انفجرت أزمة اجتماعية خطيرة بعد حادثة اعتداء على رجل إسباني، يُشتبه في أن منفذيها شبان من أصل مغربي. الحادث فجّر موجة من العنف العنصري، أجّجتها دعوات الكراهية التي أطلقتها جماعات اليمين المتطرف، عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأسفرت عن اعتداءات على متاجر ومنازل مهاجرين مغاربة.

“هوامش”: 

في قلب منطقة مورسيا الإسبانية، وتحت شمس خانقة في ظهيرة رطبة، تعيش بلدة تورّي باتشيكو واحدة من أكثر أيامها عنفًا في التاريخ الحديث؛ فالبلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو 40 ألف نسمة، دخلت في حالة من الاحتقان الأمني والاجتماعي، بعدما تصاعدت وتيرة العنف بين السكان المحليين والمهاجرين المغاربيين، على خلفية اعتداء دموي لشبان، يعتقد أنهم مغاربة، على رجل إسباني؛ ما تسبب في إشعال فتيل أحداث عنف غير مسبوقة.

كل شيء بدأ يوم الأربعاء 9 يوليوز، حين تعرّض رجل إسباني يبلغ من العمر 68 عاماً لاعتداء، في حادثة يُعتقد أن مرتكبيها من أصول مغربية. وفي غضون ساعات، انطلقت دعوات عنصرية من جماعات يمينية متطرفة على منصات التواصل الاجتماعي، تحوّلت بسرعة إلى مواجهات واعتداءات في شوارع البلدة، ومنذ ذلك الحين، والبلدة تغلي على نار الخوف والتعبئة العرقية.

ملاحقة المهاجرين

ليل الأحد الماضي، في شارع صغير بالبلدة، كان الشاب المغربي محمد (اسم مستعار) وزوجته داخل محلهما المتواضع عندما بدأت الكارثة؛ “جاؤوا فجأة، مقنّعين، معهم الحجارة والسكاكين ورذاذ الفلفل”، يقول محمد، البالغ من العمر 36 عامًا، وهو مايزال مصدومًا. 

حاول المهاجر المغربي إغلاق الباب، لكنه لم يستطع إيقافهم، “هربنا من الباب الخلفي، لكنهم كانوا في كل مكان. جارتنا أنقذتنا”، كما يروي عبر الهاتف لـ“هوامش”.

داخل المحل، يقول الشاب، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بسلامته، لا تزال بقايا “الهجمة” كما هي؛ زجاج مكسور، وشاشة تلفاز محطمة، وبضاعة متناثرة. 

هاجم المحل وفق تقدير محمد “ثلاثون رجلاً ضخاماً، يرتدون الأسود ويضعون أقنعة على وجوههم… قالوا إنهم يطاردون المهاجرين، ولكن أنا من هنا، ولم أؤذِ أحدًا”، يضيف.

وتقول زوجته، بعربية معشقة بلكنة إسبانية “أنا إسبانية. جئت إلى هنا رضيعة، وعشت عمري كله في كاثيريس”.

جيل جديد في “قلب المعركة

في حي سان أنطونيو، حيث تقيم غالبية الأسر المغربية، يخيّم الصمت، بينما الشرطة الوطنية والحرس المدني يقيمان نقاط تفتيش، والسكان، الذين يعمل معظمهم في الزراعة، يرفضون الحديث.

في هذا الحي، يقطن الشاب ياسين، شاب في الثالثة والعشرين من عمره، كانت له الجرأة على كسر الصمت، “أنا من هنا، وُلدت هنا، لا يمكن لأحد أن يقول غير ذلك”، يقول. 

لا يخفي الشاب المغربي أنه يشعر بالخوف على والده، الذي عاش في البلدة منذ الثمانينات، بعد أن جاءت أسرته في موجة الهجرة الأولى التي تزامنت مع مشروع نقل المياه من نهر تاجو.

ياسين لا يحمل الجنسية الإسبانية، رغم ولادته في قرطاجنة، ما جعله يحمل في قرارة نفسه جرح الهوية، “أحياناً لا أعرف إن كنت مغربيًا أم إسبانيًا، هناك يسخرون من لهجتي، وهنا ينادونني بالمغربي”.

“نحن أول من يريد معرفة من ارتكب الاعتداء، لا يمكن أن تُعاقب جالية كاملة بسبب خطأ فردي”، يضيف ياسين. 

يكشف لنا الشاب أن المغاربة في حيه توصلوا برسائل تهديد من قبيل “سوف نقتلك أيها المغربي القذر، إسبانيا مسيحية، ليس لك مكان هنا”.

في نفس الحي، يعيش الكثير من المغاربة، بينهم أحمد، شاب ريفي ولد في إسبانيا، يعمل في الزراعة، يقول بإسبانية صقيلة تحمل في نبرتها غضبًا بينًا: “أنا أعمل وأدفع الضرائب، أنا أكثر إسبانية من هؤلاء الذين يعتدون علينا”.

“لم نبدأ الحرب، لكننا مستعدون للدفاع عن حيّنا”، يضيف أحمد. 

وفيما يعيش المغاربة اليوم، بين الخوف والغضب، تُعزّز قوات الأمن الإسبانية وجودها بـ45 عنصرًا إضافيًا من مكافحة الشغب، لينضموا إلى 90 آخرين كانوا منتشرين بالفعل.

المجتمع المدني يتحرك 

فيما ارتفع خطاب الكراهية والعنصرية ضد المغاربة، بعدما وجد اليمين المتطرف في الحادث أرضًا خصبة لإذكاء جذوة العداء، أصدرت الجمعية المغربية لإدماج المهاجرين، في إسبانيا، بيانًا أدانت فيه هذا العنف غير المسبوق، وحملت مسؤولية ما يجري لـ“خطاب الكراهية الذي روّجت له أطراف سياسية متطرفة على مدى سنوات”.

واعتبرت الجمعية أن ما يحدث “هو نتيجة مباشرة للتطبيع مع العنصرية، عبر حملات تشويه ممنهجة ربطت المهاجرين بالإجرام”.

ودعت الجمعية الجالية المغربية في بلدة تورّي باتشيكو، إلى “التحلي بالحذر وضبط النفس، في ظل تصاعد الاعتداءات العنصرية التي تستهدف المهاجرين المغاربة”.

ووضعت الجمعية فريقها القانوني من المحامين رهن إشارة الضحايا من المهاجرين، لـ“الدفاع عن حقوقهم، سواء في ما يتعلق بالاعتداءات الجسدية أو المادية أو المعنوية”. 

وأعلنت أنها على تواصل مستمر مع السلطات المحلية والأجهزة الأمنية “لتعزيز التواجد الأمني وضمان الحماية للمهاجرين”، مؤكدةً على “ضرورة تطبيق القانون ضد كل من يلجأ للعنف ويهدد قيم التعايش، بغض النظر عن جنسيته”.

وفي شريط فيديو نشرته عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي، ناشدت الجمعية الجالية المغربية للتحلي بالهدوء، معلنةً عن لقاءٍ لها مع “وزيرة الهجرة الإسبانية ومن عنده علاقة مباشرة بالموضوع في تورّي باتشيكو يترك لنا تصريحه، وسننقله بكل أمانة”.

إدانة لـ “تواطؤ مقلق وصمت مريب للسلطات”

في خضم التصاعد الخطير لأعمال العنف، والاعتداءات ذات الطابع العنصري، التي استهدفت المهاجرين المغاربة بإقليم مورسيا، وتحديدًا ببلدة تورّي باتشيكو، أطلقت مجموعة من الهيئات والجمعيات المغربية بأوروبا صرخة استغاثة قوية، منددة بما وصفته بـ“الجرائم العنصرية المنظمة”، التي “يقف خلفها اليمين المتطرف الإسباني، في ظل تواطؤ مقلق أو صمت مريب من السلطات”.

وأصدرت هذه الهيئات بيانًا مشتركًا يوم 14 يوليوز الجاري، أدانت فيه بشدة تلك الاعتداءات التي طالت الأرواح والممتلكات، وعبّرت عن تضامنها الكامل مع ضحايا الكراهية، داعية إلى “تحرك عاجل لوضع حد لهذا الانفلات العنصري الذي يهدد استقرار الجالية المغربية وكرامتها، ويقوّض قيم التعايش المشترك التي يفترض أن تحكم المجتمعات الديمقراطية”.

ووقع على البيان عدد من التنظيمات السياسية والحقوقية والمدنية المغربية النشيطة في المغرب وفي أوروبا، من بينها: الحزب الاشتراكي الموحد بهولندا، حزب النهج الديمقراطي العمالي – جهة أوروبا الغربية، فيدرالية اليسار الديمقراطي بفرنسا، جمعية المغاربة بفرنسا، جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية، المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، مؤسسة المهدي بنبركة، جمعية العمال المغاربة بهولندا، وعدد من التنسيقيات والجمعيات الحقوقية ببلجيكا وإيطاليا وإسبانيا. 

وأجمع الموقعون على “ضرورة التصدي الجماعي للمدّ العنصري، والعمل المشترك لمناهضة خطاب الكراهية والتهميش”. 

وجدير بالذكر أن السلطات الإسبانية أوقفت المشتبه بتورطهم في الاعتداء على الرجل المسن، آخرهم تم توقيفه في محطة القطار بمدينة رينتيريا بإقليم الباسك، بينما كان يخطط للذهاب عبر مدينة إيرون الحدودية إلى فرنسا.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram