الرئيسية

الإنذار الأخير.. المغرب ضمن أخطر بؤر الجفاف على كوكب الأرض

هل لدى الحكومة المغربية خطة حقيقية لمواجهة شبح الجفاف الذي يخنق البلاد عاما بعد عام؟ لماذا لم تفعّل بعد سياسة مائية وطنية جريئة ومستدامة؟ وهل يكفي تلقيح السحب وتحلية المياه لمواجهة أزمة باتت هيكلية ووجودية؟ في أحدث التقارير حول الجفاف العالمي (2023–2025)، جاء المغرب ضمن قائمة أخطر "بؤر الجفاف" على كوكب الأرض، في منطقة المتوسط التي تُعدّ من أكثر المناطق هشاشة مناخيا. ويقرع التقرير ناقوس الخطر: المملكة تتجه نحو "نقص مائي حاد" بحلول منتصف القرن، مع استمرار تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما قد يؤدي إلى انخفاض هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 65% بحلول عام 2100.

“هوامش”

يُصنف حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يضم 23 دولة، كإحدى “البؤر الساخنة” لتغير المناخ. وتشهد هذه المنطقة تحديات متزايدة تتمثل في ندرة المياه وتدهور الأراضي. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كإحدى الدول الأكثر تأثرًا بظاهرة الجفاف، التي أصبحت أكثر تكرارًا وشدة منذ خمسينيات القرن الماضي، إذ كشف تقرير دولي حديث بعنوان «مناطق الجفاف في العالم 2023–2025»، والذي صدر عن تحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، عن بيانات مقلقة بشأن الوضع المائي والمناخي في المغرب. وحذر التقرير من استمرار الاتجاه الحالي، لأن البلاد ستدخل في مرحلة «نقص مائي حاد» بحلول منتصف القرن الحالي.

وأبرز التقرير أنه على الرغم من أن الجفاف يُعد جزءًا طبيعيًا من المناخ المغربي، إلا أن تواتره وشدته قد ازدادا بشكل ملحوظ منذ بداية القرن العشرين. وتشير التوقعات إلى أن المغرب سيزداد جفافًا خلال القرن الحادي والعشرين، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الأمطار. وتوضح النماذج المناخية أنه بحلول عام 2100، قد ينخفض هطول الأمطار في أحواض الأطلس الكبير بالمغرب، بنسبة تصل إلى 65% مقارنة بالمتوسطات التاريخية، مما سيؤدي إلى زيادة في وتيرة الجفاف الشديد.

ويواجه المغرب تحديا كبيرا في موارده المائية؛ فاعتبارًا من سنة 2015، بلغ نصيب الفرد من الموارد المائية حوالي 645 مترا مكعبا، وهو رقم متدنٍ مقارنة بالدول “الغنية بالمياه” التي يتجاوز نصيب الفرد فيها 10 آلاف متر مكعب. ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم إلى 500 متر مكعب بحلول عام 2050، مما سيضع المغرب في خطر “ندرة المياه الشديدة”.

نقص الإمدادات المائية وتدابير الطوارئ 

وأوضح التقرير أن المغرب شهد ست سنوات متتالية من الجفاف اعتبارا من عام 2024. وعلى الرغم من أن الأمطار التي هطلت في أوائل عام 2023 ساعدت في تجديد بعض الاحتياطيات المائية، حيث وصلت السدود إلى 55% من سعتها في بعض المناطق بحلول فبراير 2023، إلا أن مناطق أخرى، مثل جهة الشرق، كانت سعتها أقل من 25%.

وقد استمرت مستويات السدود في الانخفاض خلال عام 2024، حيث بلغ متوسط امتلاء السدود في جميع أنحاء البلاد 25% في أوائل العام. وكان يناير 2024 الأشد حرارة في المغرب منذ بدء القياسات، حيث وصلت درجات الحرارة إلى 37 درجة مئوية، وانخفضت الأمطار من سبتمبر 2023 إلى فبراير 2024 بنسبة 70% مقارنة بالسنة العادية. 

وبحلول يناير 2024، وصل العجز المائي في المغرب إلى 57%. وقد انخفض سد المسيرة، ثاني أكبر سد في المغرب بالقرب من الدار البيضاء، إلى 1-2% من سعته بحلول فبراير 2024. وقد امتدت القيود على استخدام المياه في الدار البيضاء لتشمل حظر غسل السيارات، وتنظيف الشوارع، وزراعة العشب، كما طُلب من الحمامات العامة الإغلاق أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء.

لمواجهة هذا النقص، أطلقت الحكومة المغربية مشاريع تحلية مياه البحر كمصدر مكمل للإمدادات المائية المتناقصة. وذلك على الرغم من أن عملية التحلية مستهلكة للطاقة بشكل كبير، في حين أن المغرب يستورد 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعل العملية مكلفة للغاية، غير أنه تم التخطيط لبناء إحدى عشرة محطة تحلية جديدة في عامي 2024 و 2025. كما يجري التخطيط لـ 23 محطة تحلية متنقلة، فضلا عن محطات معالجة المياه المالحة في مختلف أنحاء البلاد.

وذكر التقرير أن التلقيح الاصطناعي للسحب شكل أداة أخرى استُخدمت للتخفيف من حدة نقص المياه في المغرب. إذ أظهرت الدراسات أن هذه العملية يمكن أن تزيد معدل هطول الأمطار في المناطق المستهدفة بأكثر من 10٪ سنويًا (وفقا لمعهد أبحاث الصحراء). مضيفا أن الحكومة المغربية استثمرت ما يقارب 15 مليون يورو في عمليات تلقيح السحب بين عامي  2021 و2023. وتشير التقديرات إلى أن هذه العملية يمكن أن تزيد معدلات هطول الأمطار في البلاد بنسبة 4%، وتعزز الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 20%، محذرا من وجود مخاوف بشأن الآثار البيئية لتلقيح السحب، لا سيما فيما يتعلق بسمّية يوديد الفضة للكائنات المائية والبرية، على الرغم من أن بعض الدراسات تشير إلى أن الكميات المستخدمة صغيرة جدًا لتكون سامة، بينما تحذر دراسات أخرى من مخاطر التراكم إذا تم تنفيذها بشكل متكرر.

تداعيات الجفاف على الزراعة والثروة الحيوانية 

ذكر التقرير بأن إنتاجية اللحوم والحبوب عانت من تأثيرات الجفاف الذي امتد عبر المغرب لست سنوات متتالية. في عام 2023، ما نتج عنه بلوغ أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية عيد الأضحى بقليل. هذا الارتفاع الذي يعزى جزئيًا إلى تراجع بسبب الجفاف، بالإضافة إلى التضخم العالمي والتأثيرات المستمرة لجائحة كوفيد-19. وردًا على ذلك، زاد المغرب من استيراد المواشي الحية للاستهلاك خمسة أضعاف منذ بداية العام. كما قامت الحكومة بتقديم حوافز لاستيراد الماشية، مثل خفض الرسوم الجمركية وبعض الضرائب، لتقليل أسعار اللحوم استعدادًا لعيد الأضحى.  

شهد القطاع الزراعي في المغرب خسارة كبيرة في الوظائف عام 2024 بسبب الجفاف، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة في البلاد من 13% في عام 2023 إلى 13.3%. وفي يناير 2024، إذ جفت العديد من الآبار بالقرب من تارودانت، مما أجبر السكان المحليين على الحفر بعمق 400 متر على الأقل بحثًا عن الماء. وعبر البلاد، وتم زرع 2.5 مليون هكتار فقط من المحاصيل في عام 2024، مقارنة بالمتوسط الطبيعي البالغ 4 ملايين هكتار. وبحلول منتصف أبريل، كان من الواضح أن حوالي 20% من المحاصيل سُيفقد بسبب الجفاف.

وأورد التقرير أن تقارير لجنة المراقبة المشتركة للموارد الزراعية، الصادرة في 27 ماي 2024، توقعت أن ينخفض إنتاج القمح والشعير في المغرب بنسبة تقارب 30% عن المتوسط لعام 2024. وقد طبقت الحكومة المغربية إعانات لمساعدة المزارعين على تحمل تكاليف الغذاء. وفي مارس 2025، أعلن المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني أنه سيواصل دعم واردات القمح اللين حتى نهاية العام في ظل الجفاف المستمر، بينما ساعدت منظمات أخرى في تقديم النصح للمزارعين حول إجراءات التخفيف من آثار الجفاف. وكان المكتب الوطني المهني والقطاني (ONICL)، قد أعلن في مارس الماضي، أنه سيستمر في دعم واردات القمح الطري حتى نهاية العام بسبب الجفاف المستمر.

الثروة الحيوانية في المغرب بدورها تأثرت بشكل كبير على مدى سنوات الجفاف، وفقا للتقرير، حيث انخفض عدد الأغنام في أوائل، عام 2025، بنسبة 38% مقارنة بعام 2016؛ وفي فبراير 2025، ما دفع الملك محمد السادس إلى حث المغاربة على التخلي عن شعيرة ذبح الأضاحي. قبل أن يتم فرض حظر رسمي على ذبح إناث الأغنام والماعز حتى مارس 2026، في محاولة لإعادة بناء القطيع الوطني.

 يعكس الوضع في المغرب، كما يوضحه “تقرير بؤر الجفاف حول العالم 2023-2025” التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ على الدول التي تعتمد بشكل كبير على الموارد المائية والزراعة. ورغم أن الجهود الحكومية والمجتمعية، مثل اللجوء إلى تحلية المياه وتلقيح السحب وتوفير الدعم للمزارعين، تهدف إلى التخفيف من آثار الجفاف، إلا أن الأزمة تتطلب حلولًا شاملة ومستدامة. مما يجعل التحول نحو ممارسات زراعية أكثر كفاءة في استخدام المياه، وتنويع مصادر المياه، وإعادة تقييم الاتفاقيات المائية، كلها خطوات حاسمة لتعزيز المرونة في مواجهة الجفاف وضمان الأمن المائي والغذائي للمملكة في المستقبل.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram