“هوامش”
يشهد الإعلام المغربي خلال الأسبوعين الأخيرين نقاشاً حاداً حول مشروعي قانون جديدين يهدفان إلى إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وتعديل النظام الأساسي للصحافي المهني، هذان المشروعان، اللذان صادقت عليهما الحكومة في مجلسها المنعقد يوم 3 يوليوز 2025، أثارا ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض، خاصة في أوساط الصحافيين والناشرين.
فضلا عن التساؤلات السالفة، سنسعى لفهم إلى أي مدى يُسهم هذا التوجه التشريعي في تقليص التعددية الإعلامية، وإسكات الأصوات الصغيرة التي تعبّر عن هموم المواطن البسيط لصالح منابر كبرى قد لا تضع قضاياه في صلب أولوياتها؟ وهل نحن أمام تصور جديد لدور الإعلام يقوم على التمركز والربحية بدل التعدد والمسؤولية الاجتماعية
أبرز المستجدات والنقاط الخلافية
يرتكز الجدل الدائر بشكل أكبر على مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، الذي يهدف إلى تجديد هياكل المجلس المنتهية ولايته. وقد أثار هذا المشروع انتقادات واسعة، خاصة من قبل الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، التي اعتبرت أن المشروع يتضمن “خرقاً للدستور” و”تراجعاً فاضحاً عن انتخاب ممثلي الناشرين في المجلس”.
نص المشروع المصادق عليه من قبل مجلس الحكومة، قبل عرضه على البرلمان بغرفتيه، على استثناء الناشرين من الانتخابات، وتعيين لجنة مؤقتة لمدة سنتين كاملتين، مع الاحتفاظ بانتخاب ممثلي الصحافيين، واستثناء ممثلي الناشرين.
ووضع المشروع معايير خاصة لانتداب ممثلي الناشرين من طرف الهيئات المهنية. وترتبط هذه المعايير بالإشهار ورقم المعاملات، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية وحكمة أعضاء المجلس.
ومن بين المستجدات التي تعكس تشديدا واضحا ضد الصحافة، جاء المشروع بعقوبة جديدة تمنح للمجلس، تتمثل في توقيف الصحيفة الإلكترونية أو الورقية لمدة شهر، رغم أن هذه العقوبة من المفترض أن تظل من صلاحيات القضاء.
كما ينص المشروع على سحب بطاقة الصحافة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في حالة العود. وتثير هذه الإجراءات مخاوف جدية بشأن تأثيرها على حرية التعبير واستمرارية المؤسسات الصحفية.
الرقابة بدل الانفتاح والحرية .
أحد أبرز الانتقادات أن القانون لا يحترم التوازن الذي ينص عليه الدستور، خاصة الفصل 28 الذي يؤكد على أن تنظيم الصحافة يجب أن يتم بطريقة مستقلة وعلى أسس ديمقراطية. ولكن ما جاء به المشروع هو إعطاء أهمية أكبر للمؤسسات الصحفية الكبرى، من خلال تقسيم المقاعد داخل المجلس حسب رقم المعاملات السنوية، وهو ما قد يفتح الباب أمام سيطرة الشركات القوية على القرار داخل المجلس، وتهميش الصحف الصغيرة والمتوسطة التي تعاني أصلاً في السوق.
وهذا ما يراه محمد الأعرج، الوزير الأسبق للاتصال وأستاذ القانون العام، معتبرا أن مشروع القانون يتخلى عن المقاربة الدستورية والحقوقية في تنظيم قطاع الصحافة ويكرس المقاربة الضبطية والاقتصادية
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن المشروع استبعد ممثلين عن هيئات ثقافية وحقوقية كانت تلعب دورا مهما في دعم حرية الرأي، مثل اتحاد كتاب المغرب، وجمعية هيئات المحامين، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. وبدلاً منهم، تم إدخال ممثل عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في خطوة تُقرأ على أنها تعزز التوجه نحو منطق “الربح والخسارة” بدلاً من منطق “الحق والمسؤولية”.
وينتقد الأعرج الطريقة المتّبعة في إعداد المشروع، مستندًا إلى غياب النشر الاستباقي، وغياب دراسة الأثر، وعدم الكشف عن توصيات اللجنة المؤقتة، فضلاً عن عدم تطبيق مرسوم يسهل الاطلاع على المعلومات القانونية. كما ينتقد اعتماد الانتخابات الفردية المباشرة لاختيار السبعة صحافيين المهنيين، بدلاً من نظام القوائم، مشيرا إلى أن ذلك لا يضمن تمثيلا نيابيا صحيحا.
وينتقد الأعرج تخصيص المشروع لعدد كبير من المواد للتأديب والعقوبات (حوالي 15 مادة) مقابل عدد قليل لمسطرة الوساطة والتحكيم (6 مواد)، ويشير إلى إقرار عقوبة جديدة تتمثل في توقيف إصدار الصحيفة الورقية أو الإلكترونية، وزيادة مدة سحب بطاقة الصحفي المهني في حالة العود إلى ثلاث سنوات دون منح السلطة التقديرية للمجلس. ويختتم ملاحظاته بتساؤل جوهري: “هل فعل التشريع تحكمه آليات الضبط والاقتصاد أم تحكمه الحكمة والضوابط الدستورية والحقوقية؟”
مشروع قانون الصحافة بلا مشاورات مع المهنيين
نور الدين مفتاح مدير نشر جريدتي الأيام والأيام24، والرئيس السابق للفيدرالية المغربية لناشري الصحف، عنون افتتاحية آخر عدد من جريدته ب”المجلس الجنائي للصحافة”، وكتب أن “هذا هو البديل الذي بشرونا به، ألصقوا كل كبوات المهنة بنظريات مؤامرة خلطوا فيها السياسي بالوطني والمهني بالقانوني، وهلم إفكاَ، ولكن الهدف كان واضحا: تقويض كل ما تراكم من بوادر إصلاح على قلتها”.
وعبرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، بشكل صريح، في بلاغ صادر عن مكتبها التنفيذي، بتاريخ 4 يوليوز الجاري، عن رفضها لهذا المشروع، معتبرة أن الأمر يتعلق ب “دوس الوزارة المكلفة بقطاع التواصل، ومعها الحكومة، على المقاربة التشاركية، وإقدامها على هذه الخطوة التشريعية من دون أي تشاور مسبق مع منظمة مهنية عريقة مثل الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، وذلك عكس ما دأبت عليها كل الحكومات التي سبقتها”.
بالمقابل دافعت الجمعية الوطنية للإعلام والنشر التي يقودها مدير نشر موقع “شوف تي في” إدريس شحتان، المقرب من الأجهزة الأمنية وأحد مؤسسي الجمعية منذ انطلاقها حديثا في 19 يونيو 2020، (دافعت) في بيان لها بتاريخ 9 يوليوز عن المشروعين، معتبرة أنهما “خطوة لسد الفراغ المؤسساتي وتعزيز آليات التنظيم الذاتي”، وأبرزت الجمعية أن “الصيغة الحالية لمشروع قانون 25-26 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، جاءت نتيجة مشاورات وتبادل للرؤى بين مختلف الفاعلين الوازنين في القطاع”
تمييز بين المهنيين : مشروع قانون خارج الدستور ؟
دافع المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، في عرض قدمه حول مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، اليوم الأربعاء، في لجنة الثقافة والتعليم والاتصال بمجلس النواب، عن التعديلات التي أُدخلت على قانون المجلس الوطني للصحافة، مؤكدا أن المشروع منسجم مع أحكام الدستور ذات الصلة بحرية التعبير والتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة والنشر، وخاصة الفصول 25 و27 و28.
وأضاف بنسعيد أن المشروع يستند إلى خلاصات عمل اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، طبقا لمقتضيات القانون رقم 15.23 المحدث لها، وذلك بعد المشاورات التي قامت بها مع مختلف الهيئات المهنية في مجال الصحافة والنشر.
في حين اعتبرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، في بلاغها ليوم 4 يوليوز الماضي، أن النص يشكل “مخالفة لما ينص ليه الدستور، في مادته 28 حول الديمقراطية والاستقلالية في تشكیله، والتي تعتبر الانتخابات أسمى تعبير عنها” مستدلا على ذلك بالتمييز بين المهنيين في طريقة اختيارهم، ما بين الانتخاب بالنسبة لفئة الصحافيين، والتعيين لفئة الناشرين، مؤكدا أن من شأن ما وصفوه ب “البدعة الحكومية”، إذا تم ترسیمھا، أن تجعل هذه المؤسسة فاقدة للشرعية والمصداقية وسط المھنيین والمجتمع على السواء”.
نفس الرأي دافع عنه كل من مصطفى الخلفي وزير الاتصال الأسبق، إذ أكد في ندوة نظمها حزب العدالة والتنمية يوم الثلاثاء الماضي، أن التعديلات الواردة على القانون مخالفة للدستور، إذ ينص على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية ديمقراطية ومستقلة.
الصحفي توفيق بوعشرين، الذي كان ضحية للتشهير من قبل بعض الصحف التي تنتمي إلى الجمعية الوطنية للإعلام والنشر، المدافعة عن المشروع الجديد، وصف في برنامجه “كلام في السياسة” الذي بث على يوتوب، مشروع القانون الجديد بأنه “مجزرة قانونية، أو فضيحة دستورية، أو نكبة لصاحبة الجلالة، السلطة الرابعة”. وانتقد بوعشرين مصادقة الحكومة على المشروع “بدون معارضة، وبدون نقاش، ودون أن ينتبه القانونيون أو السياسيون إلى خطورة هذا المشروع”.
ويؤكد بوعشرين أن القانون يتعارض كليا مع الدستور المغربي، وتحديداً الفصل 28 منه، الذي ينص على تشجيع التنظيم الذاتي المهني المستقل الديمقراطي لقطاع الصحافة. ويرى أن المشروع يخرق مبدأ الديمقراطية باستحداث بدعة عدم انتخاب ممثلي الناشرين، بينما يتم انتخاب ممثلي الصحافيين. كما انتقد خرق قاعدة “لكل مواطن صوت واحد” (One man, one vote) بجعل وزن الناشرين في التصويت متفاوتا حسب حجم معاملاتهم السنوية، مما يكرس سيطرة المؤسسات الغنية ويقصي المتوسطة والصغيرة.
“الذي وقع هو أنه بعد أن ّعطلت الحكومة المجلس الوطني للصحافة لمدة سنتين، وحولته من مجلس منتخب إلى مجلس معين، قامت الآن بتقنين هذه الاختلالات ومشاكل المشروعية وأضفت عليها طابعا رسميا بمشروع قانون تمت المصادقة عليه اليوم في المجلس الحكومي بدون معارضة، وبدون نقاش، ودون أن ينتبه القانونيون أو السياسيون إلى خطورة هذا المشروع.”
ويشير بوعشرين إلى خرق مبدأ المساواة بين المواطنين بالتمييز بين الصحفي والناشر في طريقة التمثيل، ويعتبر أن القانون تم تفصيله على مقاس هيئة واحدة لخدمة مصالح معينة، مما يخرق قواعد التشريع التي تقتضي أن تكون القاعدة القانونية عامة ومجردة. ويرى أن المشروع سيضعف المجلس ويسلب منه الشرعية، ويتحول إلى أداة لقمع الممارسة الصحفية والتضييق عليها.
كما انتقد إضافة مهام تأديبية للمجلس، مثل منع الصحف الإلكترونية والورقية، وهو اختصاص حصري للقضاء. ويحذر بوعشرين من أن إضعاف المجلس الوطني للصحافة يفتح المجال للمتطفلين لإنتاج الخبر خارج قواعد المهنة، مما يؤدي إلى فقدان المصداقية، مؤكداً أن قضية الصحافة هي قضية المواطن وحقه في المعلومة الموثوقة، وأن الصحافة هي “الابنة البارة للديمقراطية”
يبدو أنّ المسار الذي يتّجه إليه مشروع القانون الحالي لا يحمل في طيّاته سوى مزيد من التضييق على العمل الصحافي، فبدل تعزيز استقلال الإعلام وتعدديته، تُمهد التعديلات المقترحة الطريق لهيمنة أصحاب النفوذ الاقتصادي على القرارات الحاسمة، وتُقوِّض قدرة المنابر الصغيرة على البقاء. وبذلك، فإنّ ما نراه الآن يتجه نحو الإجهاز على السلطة الرابعة، بما تمثّله من ركيزة أساسية للمراقبة وتعزيز الشفافية في المجتمع.
يبدو أن ما نعاينه اليوم ليس مجرّد تعديل قانوني تقني، بل تحوّل في فلسفة التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة بالمغرب، من منطق الشراكة والديمقراطية والمساءلة، إلى منطق التعيين والضبط والتركيز على الاعتبارات الاقتصادية. فبدلاً من أن يكون المجلس الوطني للصحافة حصناً لحماية حرية التعبير وضمان تعددية المنابر ومنصة لتحكيم الزملاء لتحصين أخلاقيات المهنة، يبدو أنه يسير نحو إعادة هيكلته بما يخدم مصالح الأقوى اقتصادياً وسياسياً. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نعيش بداية نهاية التنظيم الذاتي المستقل للمهنة؟ وهل يملك الجسم الصحفي أدوات المواجهة للحفاظ على استقلاليته ومكانته كسلطة رقابية رابعة؟ أم أننا أمام عهد جديد يُعاد فيه تعريف وظيفة الصحافة وحدودها وفق مقاييس السوق لا الدستور؟