محمد تغروت
تكشف دراسة حديثة، بعنوان “أعمى مثل الدولة: ندرة المياه ومعضلة القياس في المغرب”، للباحثين بيير-لويس مايوكس (Pierre-Louis Mayaux) وسارة فرنانديز (Sara Fernandez) عن كيفية تعامل الدولة المغربية مع هذه المعرفة المقلقة، والتي تضع الفاعلين الحكوميين أمام معضلة صعبة. بينما دراسة أخرى، أجرتها حبيبة المزوني بعنوان “الأمن المائي والحكامة في المغرب: نزع تسييس ندرة المياه”، تكشف عن استراتيجية الإعلام في تغطية ندرة المياه.
تحلل الدراسة 95 مقالاً وفيديو وتصريحات لـ 46 فاعلاً إعلامياً، وتوضح كيف أن التغطية الإعلامية غير المتخصصة تعتمد بشكل كبير على المصادر الرسمية. وينتج عن ذلك خطاب إعلامي منزوع الطابع السياسي يركز على النتائج بدلاً من الأسباب، ويُحمّل الأفراد المسؤولية، مما يقلل من دور الدولة والخيارات السياسية في الأزمة.
الإعلام: التركيز على “الوعي” وتجاهل الأسباب الهيكلية
بحسب دراسة الباحثة حبيبة المازوني (جامعة الحسن الثاني)، فإن الإعلام المغربي، في تناوله لقضية ندرة المياه، يقوم بنزع الطابع السياسي عن الأزمة عبر التركيز على مسؤولية الأفراد وإغفال الأسباب البنيوية ودور السياسات الحكومية.
الباحثة خلصت إلى هذه النتيجة بعد تحليل 80 مقالاً و15 فيديو من 6 صحف وفضائية “ميدي1″، ووقفت على واقع غياب التخصص، إذ لا يوجد صحافيون متخصصون في المياه أو البيئة، مما يجعل التغطية تعتمد على مصادر عامة.
كما أبرزت الباحثة غلبة الاعتماد على المصادر الرسمية، إذ إن 85% من المواد الصحفية تستند إلى بيانات وزارات أو منظمات دولية، دون تمحيص. إضافة إلى سيطرة إلقاء اللوم على الفرد، حيث 64% من المحتوى يركز على “حملات التوعية” وتغيير سلوك المستهلكين، بدلاً من مناقشة سياسات الري أو الزراعة الصناعية.
وتقول المازوني: “الخطاب الإعلامي يُحوّل المشكلة إلى مجرد سلوك فردي، ويُبعدها عن النقاش حول دور الدولة في إدارة المياه”. ومثالاً على ذلك، تبرز دراستها تكرار عبارات مثل “حملة توعية ضد هدر المياه” في الصحف، بينما تُهمل مناقشة دعم الدولة لزراعة البطيخ أو الحمضيات في مناطق تعاني من الجفاف.
الدولة: “أرقام مُجتزأة” لتجنب الأسئلة المزعجة
دراسة أخرى أعدها كل من بيير لويس ماياو وسارة فرنانديز، من منظمة “سيراد” البحثية، تكشف كيف تتعامل الدولة المغربية مع “الأرقام المُزعجة” حول ندرة المياه. بعد تحليل 18 وثيقة رسمية ومقابلات مع خبراء، وجدت الدراسة أن الدولة المغربية تنشر أرقاماً جزئية عن تدهور المياه، مثل انخفاض منسوب السدود أو استنزاف الآبار، لكنها تتجنب دمجها في تقدير شامل للواقع.
وكشفت الدراسة أن الجهات الرسمية في المغرب تستخدم أرقاما قديمة لتقدير موارد المياه، مما يُخفي التراجع المستمر. إضافة إلى الترويج لما تسميه “مصادر جديدة”، خصوصا مشاريع مثل تحلية مياه البحر أو إعادة تدوير المياه العادمة، رغم الشكوك حول جدواها الاقتصادية والبيئية.
وكمثال على ذلك، ذكر الباحثان مشروعا ضخما لنقل المياه من سد “سكورة امدز” إلى سهل “سايس”، يُبرر بتقديرات مُبالغ فيها حجم المياه المتاحة. الدراسة تشير إلى أن الأرقام الرسمية لا يتم تحديثها رغم وجود أدلة على استنزاف طبقات المياه الجوفية بنسبة 52% منذ السبعينيات.
الدراستان تُظهران أن أزمة المياه في المغرب لا تُناقش بشكل شفاف، إذ بينما يُبعد الإعلام النقاش عن السياسات الهيكلية، مثل دعم الزراعة الكثيفة، ويُركّز على “الوعي الفردي”، في حين تقدم الدولة أرقاماً مُجتزأة لتجنب الأسئلة المزعجة حول جدوى مشاريعها أو مستقبل الأمن المائي.
توصيات للخروج من الأزمة
تقترح دراسة حبيبة المازوني تشجيع الصحافة العلمية في تناول قضية ندرة المياه. مما يعني إتاحة نتائج الأبحاث العلمية والتحقيقات الميدانية للجمهور، ما قد يساهم في تقديم فهم أعمق وأكثر دقة للقضية بعيداً عن التناول السطحي، كما توصي الدراسة بأن تقوم وسائل الإعلام المغربية بتوظيف مهندسين وخبراء مهتمين بالشأن العام. هؤلاء المتخصصون يمكنهم المساعدة في التغلب على “متلازمة الخبرة الإعلامية” السائدة وتقديم تحليلات أكثر عمقاً للقضايا التقنية والبيئية مثل أزمة المياه.
في حين توصي دراسة بيير لويس ماياو وسارة فرنانديز بالعودة إلى الممارسات الحديثة ودمج القياس مع الوعود بموارد مائية “جديدة، وذلك بالعودة إلى ممارسات القياس “الواقعية” في العصر الحديث ودمج البيانات، مع الإقرار الصريح بتضاؤل الموارد المائية الوطنية بشكل دائم.
ووفقا للباحثين فهذا من شأنه أن يضع على جدول الأعمال إعادة تفكير جوهرية في السياسات الهيدرو-زراعية، بما في ذلك التخلي المحتمل عن “إيديولوجية الري” وقيام تحول في التحالفات الاجتماعية المهيمنة.
وتُشير الدراسة إلى أن الوقت وحده سيحدد ما إذا كانت أزمة المياه في المغرب ستؤدي إلى نقاش عام حقيقي حول أرقام المياه، أو إلى نهج أكثر تعددية في القياس، أو في النهاية إلى أنماط مختلفة لتوزيع المياه.