الرئيسية

قاصرون فقد أثرهم.. قصة الترحيل القسري للقاصرين من سبتة إلى المغرب

في صيف 2021، جرى ترحيل 55 قاصرًا مغربيًا من سبتة إلى المغرب في عملية سريعة وغامضة، دون احترام الإجراءات القانونية ولا ضمان حقوق الأطفال. اليوم، وبعد أربع سنوات، تعود القصة إلى الواجهة من داخل قاعة المحكمة، حيث تُحاكم مسؤولتان بتهمة تنفيذ “ترحيل غير قانوني”، فيما لا يزال مصير عدد من هؤلاء الأطفال مجهولًا. بين أوامر شفوية وإنكار رسمي، تقف العدالة الإسبانية أمام سؤال حاد: من يتحمل المسؤولية عندما يُعاد القاصرون إلى المجهول؟

“هوامش”| سعيد المرابط: 

كان صباحا قائظا من شهر غشت 2021، حين فتحت أبواب مركز إيواء القاصرين في مدينة سبتة المحتلة، لم يكن هناك إنذار مسبق، ولا تفسير لما سيحدث، فجأة، بدأ المسؤولون في نقل الأطفال المغاربة، عبر دفعات من 15 قاصرًا، إلى شاحنات صغيرة تنتظر خارج الأسوار. 

كانت وجوه الأطفال يومها شاحبة، قلوبهم ترتجف، والعَبرات تنهمر من عيونهم، أما العِبارات فقد خانها النطق، وعدم معرفةٍ باللغة القشتالية التي كانت تحاصرهم في لحظات ما قبل الترحيل القسري. لم يكن يعرف أحد إلى أين سيذهبون، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا؛ سيُعادون إلى المغرب، رغمًا عنهم، وربما إلى الأبد.

ثلاثة أيام من الفوضى وعملية من دون غطاء قانوني

بين 13 و15 غشت، تم تنفيذ واحدة من أكثر العمليات غموضًا، وإثارة للجدل، في تاريخ الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا، حيث تم ترحيل 55 قاصرًا مغربيًا إلى بلادهم، في ظروف لم تُحترم فيها الإجراءات القانونية ولا حقوق الطفل.

في تلك الأيام، عاشت مراكز الإيواء حالة من الرعب، كان المكلفون بترحيل الأطفال ينادونهم بأسمائهم، ثم يُنتزعون من بين زملائهم. بعضهم حاول الهرب، بعضهم بكى بحرقة، والبعض الآخر أقدم على إيذاء نفسه في محاولة يائسة لتفادي الإرجاع. أكثر من 300 طفل فرّوا من المركز واختفوا. لم يكن أحد يعلم ماذا يحدث تمامًا، ولا إلى متى سيستمر؟ 

تم ترحيل عدد من القاصرين من مدينة سبتة إلى المغرب في غشت 2021 وفق قائمة أعدتها السلطات المحلية لسبتة، واعتمدت فيها على معيار السن، بدءًا بالأكبر سنًا. 

استمرت عمليات الترحيل لثلاثة أيام، حتى توقفت في 16 أغسطس بعدما قدّم بعض القاصرين طلب “المثول الفوري أمام القضاء”، كحماية قانونية ضد الترحيل، مما أدى إلى وقف العملية بعد ترحيل 55 فقط من أصل 145 قاصرًا كانوا مُدرجين في القائمة.

وكانت محكمة سبتة قد أمرت بإعادة القاصرين الذين تم ترحيلهم بالفعل، ووصفت ما جرى بأنه شكل “خطرًا كبيرًا” على سلامتهم، وألقت بالمسؤولية على الحكومة المحلية التي اتخذت قرار إعادتهم.

إلا أن بعض هؤلاء القاصرين اختفوا بعد إعادتهم إلى المغرب، في حين أن آخرين حاولوا العودة مجددًا إلى إسبانيا عبر طرق غير نظامية.

السنوات الأربع التالية شهدت معارك قضائية طويلة انتهت إلى حقيقة واضحة، “ما حدث كان غير قانوني”. المحكمة العليا الإسبانية، في حكمين منفصلين، أكدت أن العملية “انتهكت حقوق القاصرين”، وأنها “تمت دون احترام للإجراءات المنصوص عليها في القانون الإسباني”.

ومع ذلك، لم تُوجَّه أصابع الاتهام للقيادات العليا في وزارة الداخلية، وبدلًا من ذلك، وُضعت المسؤولية القضائية على كاهل امرأتين: سالفادورا ماتيوس، المندوبة السابقة للحكومة في سبتة، ومايبل ديو، نائبة رئيس الحكومة المحلية حينها.

تواجه الاثنتان تهمة “استمرار استغلال المنصب”، وتطالب النيابة العامة بـ”منعهما من تولي أي منصب عام لمدة 12 عامًا”.

أوامر أم اجتهاد؟

في قاعة المحكمة، دافعت المرأتان عن نفسيهما بشراسة، قالتا إنهما كانتا تنفذان أوامر من وزارة الداخلية، وبأنهما وثقتا في أن التوجيهات القادمة من مدريد قانونية. 

“وثقت في الوزير، قال لي إن كل شيء قانوني”، هكذا صرّحت ماتيوس للمحكمة، التي تقاعدت لاحقًا وتعاني من مرض السرطان.

أما “الأمر” الذي تتحدثان عنه، فكان عبارة عن مذكرة رسمية، صادرة في 10 غشت 2021، تحمل شعار وزارة الداخلية، تطالب بـ”المضي قدمًا” في تنفيذ اتفاقية الترحيل الموقعة بين المغرب وإسبانيا عام 2007.

لكن رافائيل بيريز، نائب وزير الداخلية آنذاك، أنكر في شهادته أنه أصدر “أمرًا صريحًا”، مؤكدًا أن ما جرى لم يكن سوى “بلاغ إداري، لا أكثر”، أما توقيعه، فلم يكن على الوثيقة، “لو كانت صادرة عني، لكنت وقّعتها”، حسب تعبيره أمام المحكمة عبر الاتصال بالفيديو.

الملك المغربي يدخل على الخط

جذور القصة تعود إلى ماي 2021، عندما تدفق أكثر من 10 آلاف شخص، بينهم مئات الأطفال المغاربة، عبر الحدود إلى سبتة في موجة هجرة غير مسبوقة. حينها، وجدت المدينة الصغيرة نفسها عاجزة أمام عدد الأطفال الذي تجاوز 1280 قاصرًا.

تقول الروايات القضائية والإعلامية إن ما جرى كان بتنسيق مباشر بين مدريد والرباط، بعدما أعطى الملك محمد السادس تعليمات بتسهيل عودة القاصرين لتحسين صورة المغرب دوليًا، والتي تضررت بفعل صور الأطفال في البحر، ومن بينهم رُضّع.

منذ اليوم الأول، كانت هناك أصوات تدق ناقوس الخطر، أنطونيا بالومو، المسؤولة عن ملف الطفولة في سبتة، رفضت الإجراء بشدة، حتى أمام الجانب المغربي. 

وفي شهادتها، قالت: “كنت في الميدان، أمام الحافلات، وأحسست بالخوف وعدم الفهم… كنت أعرف أن هذا لا يجب أن يحدث”. 

كما أبدى إغناسيو ألفاريز، الأمين العام لوزارة الشؤون الاجتماعية حينها، رفضه للعملية، مؤكدًا أنه طالب بـ”وقف الترحيل فورًا لأنه ينتهك القانون الإسباني وحقوق القاصرين”.

ورغم أن النيابة العامة الإسبانية لم تُبلّغ رسميًا بالموافقة، تقول ماتيوس إنها شعرت بالطمأنينة لأن وكيل النيابة “تلقى نفس البلاغ ولم يعترض”، غير أن الوكيل، خوسيه لويس بويرتا، نفى لاحقًا أنه “أعطى أي موافقة على العملية”.

الرأي العام ينتظر النطق بالحكم

في يوم الأربعاء الماضي، تم الاستماع إلى شهادات أشخاص مرتبطين بمنظمات غير حكومية، مثل شهادة محامٍ تابع لإحدى هذه الجمعيات، والذي تم التواصل معه من قبل مؤسسة “رايِّيثِيس” (جذور)، ومثّل عشرة قاصرين.

وكانت رغبة هؤلاء الأطفال هي عدم العودة إلى المغرب، وقال المحامي: “تواصلوا معنا لأن هناك نية لإعادة أطفال وصلوا إلى سبتة من المغرب. وطلبوا منا تقديم المشورة القانونية لاحتمال وجود أي انتهاك محتمل”، وذلك بعد أن تم التواصل معه من قبل مؤسسة “رايِّيثِيس”.

وقد أخبرهم الأطفال الذين تمكنوا من الحديث معهم، بأنهم “لا يريدون أن يُعادوا إلى المغرب”.

في يونيو 2025، اختتمت المحاكمة التي شغلت الرأي العام الإسباني والدولي، في انتظار صدور الحكم. وعلى الرغم من وضوح الانتهاكات، لم يُحاسب أي من القيادات العليا. حتى وزير الداخلية فيرناندو غراندي مارلاسكا، الذي قال عنه أحد الشهود إنه “لو لم يأمر، لما حدث شيء”، لم يُستدعَ للمثول أمام المحكمة.

أما الأطفال الذين رُحّلوا، فبعضهم اختفى في المغرب، ولم يُعثر عليه مجددًا، والبعض الآخر، بعد أن تلاشت أحلامه، عاد إلى البحر مرة أخرى، باحثًا عن فرصة أخرى للنجاة.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram