“هوامش”| سعيد المرابط
صباح الجمعة 24 يونيو 2022، تحول السياج الفاصل بين الناظور ومليلية، تحديدا عند معبر “باريو تشينو”، إلى مسرح لأحداث مأساوية خطفت أرواح عشرات المهاجرين وطالبي اللجوء، فيما أصيب المئات، واختفى آخرون وسط الفوضى، وتم شن اعتقالات غير مسبوقة.
هذه اللحظة السوداء في تاريخ الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا، تُعرف اليوم بـ”مجزرة مليلية” التي ماتزال تُلقي بظلالها الثقيلة حتى بعد مرور ثلاث سنوات.
مأساة إنسانية وفشل مؤسسي
في ذلك اليوم، حاول ما يقارب ألفي مهاجر؛ أغلبهم من السودان، إضافة إلى آخرين من تشاد وإريتريا والكاميرون وغينيا؛ عبور السياج الفاصل نحو الأراضي الإسبانية، سعيًا للسلام والحماية الدولية.
لكن ما بدأ كحلم باللجوء تحول إلى مأساة دموية، حيث أسفرت المحاولة والتدخل الأمني لصدها عن مقتل 27 شخصًا على الأقل، وإصابة العشرات بجروح خطيرة، في حين اختفى نحو 70 آخرون.
ووفق الرواية الرسمية المغربية، بلغت حصيلة القتلى 23، لكن منظمات حقوق الإنسان تشير إلى أرقام أعلى.
وبينما تمكن فقط حوالي 134 مهاجرًا من الدخول إلى مليلية وطلب الحماية لدى السلطات الإسبانية، تعرضت الغالبية العظمى لرد فعل عنيف من قبل قوات الأمن المغربية والإسبانية، باستخدام الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، والضرب بالحجارة والهراوات.
يومئذٍ تحول السياج الفاصل إلى “فخ قاتل” حيث حوصر المئات في مساحات ضيقة، وتم دفعهم ورميهم بعنف، وسط صراخ وألم.
اعتقالات ومحاكمات قاسية.. وإفراج بعد ثلاث سنوات
لم تنته مأساة الضحايا عند السياج، بل تواصلت مع اعتقال العشرات من طالبي اللجوء، الذين وُجهت لهم تهم “الدخول غير القانوني”، و “العنف ضد قوات الأمن”، و”التجمهر المسلح”، في محاكمات وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها كانت “جائرة وبدون ضمانات كافية للدفاع والترجمة”.
وقضى معظم هؤلاء المعتقلين حكمًا بالسجن ثلاث سنوات، حتى تم الإفراج عن بعضهم مؤخرًا، بالتزامن مع الذكرى الثالثة للمجزرة، بعد انتهاء محكومياتهم.
ونشر الناشط الحقوقي عمر ناجي، من فرع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بالناظور، قائمة بأسماء المفرج عنهم، والتي تضم حوالي خمسين شخصًا، معظمهم من السودان.
ويعكس ذلك جزءاً من معاناة هذه الفئة التي “تكرس لدينا أن الانتهاك لم يكن ظرفيا أو فرديا، بل بنيويا ومنظما، يندرج ضمن سياسة عمومية تستند إلى تجريم الهجرة وتفكيك مسارات الحماية، وتجعل من الفئات الهشة موضوعا للأمننة بدل الحماية”، كما تصفها “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”.
فشل العدالة واستمرار الانتهاكات
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع الناظور – وفي بيان صدر بمناسبة الذكرى الثالثة للمأساة، وصفت ما حدث بأنه “انتهاك صارخ ومنهجي للحقوق الأساسية للإنسان”.
وأكدت الجمعية في بيان، توصلت “هوامش” بنسخة منه، أن “الدولة المغربية والإسبانية فشلت في احترام التزاماتها الدولية، بما في ذلك الحق في الحياة، والحماية من التعذيب، وضمان حق اللجوء، والمحاكمة العادلة”.
و “بدلاً من فتح تحقيق مستقل وشفاف، تم تحويل الضحايا والناجين إلى متهمين، فيما يستمر الإفلات من العقاب”، يضيف البيان.
وتُعد “مجزرة مليلية”، وفق المنظمة الحقوقية غير الحكومية، “اختبارًا قاسيًا للسياسات الأمنية التي تتغول على حقوق الإنسان”، حيث لا ينظر إلى المهاجرين واللاجئين كأشخاص في حاجة للحماية، بل كتهديد يجب ردعه بالقوة، ما يتناقض مع القوانين الدولية التي تكفل حماية اللاجئين والمهاجرين.
وفي مشهد مؤثر حيث امتزجت دموع الفرح بمرارة الذكرى، أُفرج خلال الساعات الماضية عن العشرات من طالبي اللجوء، المعتقلين منذ ثلاث سنوات في المغرب، على خلفية واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي سجلت على أبواب أوروبا: “مجزرة مليلية”.
هؤلاء الأشخاص، الذين لم يحملوا سوى أمل الهروب من الحرب والجوع، خرجوا من السجون المغربية بعد ثلاث سنوات، قضوها خلف القضبان بتهم ثقيلة، وُصفت بأنها سياسية الطابع، وقانونية الشكل فقط.
من سياج “باريو تشينو” إلى الزنازين
تعود الواقعة إلى صباح الجمعة 24 يونيو 2022، حين حاول نحو 2000 مهاجر، معظمهم من السودان، العبور جماعيًا إلى مدينة مليلية عبر معبر “باريو شينو”، هربًا من الحروب التي التهمت قراهم وأحلامهم في دارفور وأم درمان وغرب إفريقيا.
لكن “الحدود”، التي كان يجب أن تكون بوابة أمل، تحولت إلى “فخ قاتل”؛ فقد سقط عليها ما لا يقل عن 37 قتيلاً حسب منظمات حقوقية، التي أحصت 70 مفقوداً، و470 آخرين أعيدوا بشكل جماعي “قسرًا” إلى الجانب المغربي من السياج، دون أي إجراء قانوني، في “خرق فاضح للحق في طلب اللجوء” حسب ما رصدته المنظمات الحقوقية.
وبدلًا من فتح تحقيق في الفاجعة، حوّلت السلطات الناجين إلى متهمين، وفي هذا السياق، أكد عمر ناجي، الناشط الحقوقي وعضو “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بالناظور، إطلاق سراح حوالي 50 معتقلًا من طالبي اللجوء، غالبيتهم من السودان.
ونشر ناجي لائحة المعتقلين المفرج عنهم، وهم:
صادق الشفيع موسى عبد الشافع، نصر الدين أبكر خميس أبكر، بشير آدم حسين أبكر، أبو بكر عبد الله، أيوب حسن إبراهيم عبد البشير، محمد إبراهيم يعقوب، سعيد موسى أحمد آدم، محمد علي يوسف الغال، معتصم يعقوب جاد الله، مبارك هارون محمد أبكر، رضوان عمر آدم رمضان الصامدي، أبو بكر عبد الله يعقوب محمد، محمد علي النور، معتصم آدم عبد البشير، العبيد عوض محمد أحمد، عمر حسين عمر إسحاق، مصطفى إبراهيم محمد، يعقوب محمد يعقوب آدم، مبارك آدم داوود، نصر الدين محمود أبو شنب، صبحي منير ناصر محمد، محمد الضو أحمد، مدثر محمد آدم، صلاح الدين آدم بوخاري، عبد العزيز سليمان جالي، يوسف آدم بحر، علي عبد الرحمن البشاري، ياسر عثمان سليمان محمد، محمد علي محمد عصمان، التيجاني أبو بكر محمد داوود، والي الدين عيسى يعقوب، نور الدين علي عبد الرحمن، نصر الدين آدم يحيى، مؤيد محمد حمد الله، دفع الله فاكر يوسف النور، سليمان بكر هارون أحمد، صحراوي أحمد شريف، طه أحمد جمعة رمضان، محمد آدم محمود، محمد الأمين إسماعيل، محمد بشير محمد، مصطفى محمد علي، إبراهيم آدم نيل، إبراهيم محمد عبد الله، أحمد محمد إبراهيم، أحمد مختار محمد، إلياس عبد الله آدم، أيوب عبد الرحمن آدم، وحسين إبراهيم.
شباب في العشرينات، حلموا فقط بالأمان، فوجدوا السجون، وكانوا قادمين من مناطق تمزقها النزاعات، وكلهم مرشحون طبيعيين للحصول على الحماية الدولية “لو تم التعامل مع قضاياهم إنسانيًا”، حسب تعبير الجمعية.
دعوات دولية ومحلية للمساءلة والشفافية
طالبت عدة منظمات دولية، منها “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة “العفو الدولية”، بالتحقيق المستقل في الحادثة، بينما دعا “مجلس أوروبا” و”لجنة مناهضة التعذيب” إلى مراجعة استخدام القوة والإجراءات الأمنية المتبعة. كذلك طالبت عدة منظمات، بينها “اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين” (CEAR)، بوقف “الترحيلات السريعة التي تحرم اللاجئين من حق اللجوء”.
وفي سياق متصل، تقدمت تسع منظمات بطلب إلى مكتب مكافحة الغش الأوروبي (OLAF) لفتح تحقيق حول استخدام الأموال الأوروبية في ممارسات الهجرة التي تنتهك حقوق الإنسان، خصوصاً بعد اعتراف النيابة الإسبانية بوقوع انتهاكات جسيمة، لكنها لم تُحاسب قوات الأمن.
قصص إنسانية وراء الأرقام ومطالب بالحق في الحقيقة والعدالة
أرقام الضحايا والمفقودين رغم المأساة تظل باردة، لكن خلف كل رقم قصة وحياة، مثل رشيد الذي فقد والده في السودان وهو في سن الخامسة، وسعى للنجاة من النزاع الدموي، وسكوكو من غينيا الذي عانى التعذيب والسجن بسبب نشاطه السياسي، وأمادو من السنغال الذي يحمل ندوب العنف الجسدي والنفسي.
هذه القصص التي وثقتها “اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين” (CEAR)؛ تعكس معاناة لا توصف خلف حواجز الأمن والأسلاك الشائكة.
لذلك يرى فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور، أن هذه المأساة ليست مجرد حادث عرضي، بل نتيجة لـ”فشل منظومة أمنية وسياسية”.
وفي بيانها دعت الجمعية إلى الكشف الفوري عن مصير المفقودين، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في كل الانتهاكات، وإطلاق سراح المهاجرين الذين جرت محاكمتهم في سياق لا يحترم الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، مع وقف الترحيلات القسرية والممارسات المهينة، واحترام الحقوق الدولية للمهاجرين واللاجئين، ورفض منطق “حراسة الحدود بالوكالة” لصالح أوروبا.
وأكدت الجمعية أن هذه المأساة “يجب أن تكون درسًا مؤلمًا للسياسات الحالية، وأن العدالة والإنصاف هما الطريق الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الفواجع”.
اليوم، تمر ثلاث سنوات على مجزرة معبر “باريو تشينو”، ولا تزال جراحها مفتوحة في ضمائر الضحايا وذويهم، وتلقي بظلالها على المشهد الحقوقي في المغرب وإسبانيا. لذلك تؤكد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن “الذاكرة الحقوقية لا تُغلق بالتقادم، ومجزرة 24 يونيو تظل عنوانا لمرحلة من الإخفاق الحقوقي يجب تفكيكه ومراجعته، لا تطبيعه أو نسيانه”.