“هوامش”| سعيد المرابط
في واحدة من أخطر الضربات الأمنية العابرة للحدود، فكّكت الشرطة الوطنية الإسبانية، بدعم من “يوروبول”، شبكة مغربية-إسبانية يشتبه في استخدامها سبتة كمنصة لتهريب البشر والمخدرات نحو أوروبا.
التحقيقات كشفت عن منظمة متقنة التنظيم، قدمت “خدمة شاملة” للراغبين في الهجرة مقابل مبلغ 14.600 يورو، في ما يشبه “باك شامل” للهروب من المغرب إلى أوروبا، وفق ما ذكرته وكالة “أوروبا برس”.
من الفنيدق إلى أوروبا عبر الجحيم
انطلقت القصة من مدينة الفنيدق (كاستييخو)، حيث كانت الشبكة تنشط في تجميع المرشحين للهجرة بطرق غير نظامية.
كان يتم إيواء هؤلاء مؤقتًا إلى أن يُنظَّم عبورهم إلى سبتة عبر البحر، في زوارق مطاطية متهالكة، أو سباحة بمساعدة “سكوترات مائية” صغيرة.
وفق التحقيقات الإسبانية، كان كل شيء معدًا لتفادي المراقبة الحدودية، رغم المخاطر العالية، خصوصًا أن بعضهم كان يقذف بنفسه إلى البحر ليلاً، دون تدريب أو سترات نجاة.
وبمجرد وصولهم إلى سبتة، تبدأ المرحلة الثانية من “الخطة”؛ يُنقلون إلى “بيوت آمنة” تابعة للشبكة، حيث يُحتجزون هناك حتى دفع المبلغ المتفق عليه.
وبحسب شهادات أمنية، تناقلتها وسائل الإعلام الإسبانية، كان بعض المهاجرين يتعرضون للتهديد، ويُمنعون من التواصل مع الخارج، ويُحرمون من الطعام أحيانًا. أحد المصادر وصف هذه البيوت بـ”السجون المدنية غير المعلنة”.
المال مقابل الصمت والعبور
مقابل 14 ألفا و600 أورو (حوالي 15.5 مليون سنتيم)، كان المهاجرون يحصلون على وعد بعبور آمن إلى الضفة الإسبانية، خصوصًا إلى الجزيرة الخضراء (Algeciras). ومن هناك، تستمر الرحلة إلى بلدان أوروبية مختلفة، حسب الوجهة المختارة، وكان المبلغ يرتفع على حسب بُعد الدولة التي يرغب المهاجر في الوصول إليها.
إجمالًا، تقدر الشرطة الإسبانية أن الشبكة جنت أكثر من 2.5 مليون أورو من عمليات التهريب هذه، دون احتساب الأرباح المتأتية من تجارة المخدرات.
تنظيم شبه عسكري وحمولات مختلطة
ما ميز هذه الشبكة ليس فقط تنوع أنشطتها، بل بنيتها التنظيمية المحكمة. فبحسب الشرطة، كان هيكلها مقسمًا إلى ثلاث طبقات.
القيادة العليا، وتضم زعيمَين رئيسيين؛ أحدهما في سبتة والآخر في جزيرة إيبيزا. هما من كانا ينسقان المعابر، ويُشرفان على نقل الأموال، ويحددان نقاط الإرسال والاستقبال.
الميدانيون البحريون، وهم مجموعة من المهرّبين، بينهم قاصرون، مهمتهم قيادة الزوارق أو مرافقة السباحين. وكانوا يستخدمون وسائل بدائية، ويعملون في ظروف خطرة بدون معدات سلامة.
اللوجستيون، هؤلاء يشرفون على نقل المهاجرين من البحر إلى “البيوت الآمنة”، ويتولون الحراسة، ويستخلصون الدفعات، فضلًا عن حفظ وتخزين المواد المخدرة.
ولم تكتفِ الشبكة بتهريب البشر؛ بل استغلت كل قارب لتهريب المخدرات أيضًا، فيما يُعرف بـ”الحمولات المختلطة”.
وفي كل عبور، كانت المراكب تنقل معها كميات من الحشيش أو أقراص مهدئة تُستخدم كمخدر، يطلق عليها محليًا “القرقوبي”.
الشرطة الإسبانية ضبطت 22 كيلوغرامًا من الحشيش و10 آلاف و800 قرص من “كلونازيبام”، وهي مكونات أساسية لصناعة هذا المخدر الرخيص والخطير.
عملية واسعة وسبتة تحت المجهر
العملية الأمنية التي نفذتها الشرطة الإسبانية شملت ثلاث مدن؛ أربعة اعتقالات في الجزيرة الخضراء، ثلاثة في سبتة، وواحد في إيبيزا.
وتم إيداع ثلاثة منهم في الحبس الاحتياطي، فيما رفضت الشرطة الكشف عن الجنسيات أو الأعمار، مؤكدة فقط أن “من بينهم قاصرًا”.
كما صادرت الشرطة زوارق استخدمت في العبور، بالإضافة إلى أجهزة ملاحة، وهواتف مشفرة، ومبالغ مالية يعتقد أنها من “العائدات الإجرامية”.
ويأتي تفكيك هذه الشبكة بعد أسابيع من اكتشاف نفق سري يربط سبتة بالمغرب، كان يُستخدم أيضًا لتهريب المخدرات.
هذا ما يُعزز المخاوف الإسبانية من تحوّل المدينة إلى نقطة جذب لمافيات تهريب البشر والممنوعات، مستفيدة من قربها الجغرافي، وخصوصية وضعها القانوني.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه القضية تطرح أسئلة متزايدة حول التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، وحدود فاعلية الرقابة البحرية والبرية، خاصة في ظل تنامي تهريب القاصرين والمخدرات عبر أساليب غير تقليدية.