“هوامش”| سامي صبير
يتصاعد التوتر بين إيران والكيان الإسرائيلي على خلفية الضربة الإيرانية الأخيرة، التي جاءت ردًا على هجوم إسرائيلي نُفذ فجر الجمعة 13 يونيو الجاري، وأسفر عن مقتل عدد من العلماء والقيادات العسكرية والأمنية، إضافة إلى استهداف منشآت مرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم.
هذا التصعيد أعاد فتح النقاش داخل المغرب حول طبيعة الموقف من الصراع الدائر في الشرق الأوسط والذي ألقى بظلاله على الساحة الإعلامية المغربية، حيث انقسم الرأي العام بين من يرى في إيران طرفًا داعمًا للمقاومة الفلسطينية، وبالتالي يستحق التأييد، وبين من يعتبر “إسرائيل” شريكًا استراتيجيًا للمغرب في ظل التقارب السياسي والعسكري بين البلدين في مواجهة التحالف القائم بين إيران والجزائر الداعمة لجبهة البوليساريو.
وفي الواقع، لا يمكن اختزال التوتر بين المغرب وإيران في المعطيات الراهنة فحسب، إذ إن جذوره تمتد عميقًا في التاريخ الحديث، إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين تزامن صعود آية الله الخميني إلى السلطة في إيران مع عهد الملك الحسن الثاني في المغرب. منذ تلك اللحظة، بدأت تتشكل ملامح تنافر استراتيجي وإيديولوجي بين البلدين، تغذّيه اختلافات جوهرية في الرؤية السياسية، والتموقع الإقليمي، والانتماءات العقائدية، وهو ما أرسى الأساس لعقود من التوجس المتبادل والصراع غير المعلن.
بداية التوتر.. الملك يستقبل الشاه
قبل اندلاع الثورة التي أطاحت بشاه إيران، محمد رضا بهلوي، أطلق هذا الأخير مبادرة أطلق عليها اسم “الثورة البيضاء”، وهي تعتبر القشة التي قصمت ظهر البعير، وأشعلت فتيل الثورة التي أنهت حكمه.
في أوائل الستينيات، أعلن الشاه عن إطلاق سلسلة من الإصلاحات اعتبرتها المعارضة تغريبا يمس هوية البلاد، وخدمة للأجندة الإسرائيلية والأمريكية، وهي النقطة التي استغلها رجل الدين، روح الله الخميني، للتحريض ضد نظام الشاه، وصولا إلى الإطاحة به سنة 1979.
بعد نجاح الثورة التي قادها الخميني من منفاه في فرنسا، إضافة إلى قوى يسارية أخرى، وجد محمد رضا بهلوي، نفسه مجبرا على مغادرة البلاد للنجاة بحياته.
“بمجرد مغادرته إيران، عندما علمت أنه حل بالقاهرة اتصلت به هاتفيا لأقول له: إنني يا رضا حزين لما أصابك، ومهما يكن فاعلم أنك إذا أردت المجيء إلى المغرب فستجد أبوابه مشرعة لك على مصراعيها”، يقول الملك الراحل الحسن الثاني في كتاب ذاكرة ملك، ويضيف “بعد أسبوع قدم إلى المغرب وأقام عدة أشهر”.
لم تستمر إقامة الشاه رضا بهلوي في المغرب لمدة طويلة، فسرعان ما طلب منه الملك مغادرة البلاد: “كنت بصدد الإعداد لاستقبال المؤتمر التحضيري لوزراء الدول الإسلامية، وكانوا لا محالة، سيثيرون ضجة أو يمتنعون عن المجيء إلى المغرب إذا ظل به الشاه […] فضلت أن أطلب منه مغادرة المغرب، وهكذا أطلعته على الأمور ووضحت له أن الأمر يتعلق بالمصلحة العليا للبلاد”، يضيف الحسن الثاني في كتابه.
منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الإيرانية عام 1979، اتخذ الملك الحسن الثاني موقفا صارما ورافضا تجاه النظام الجديد في طهران، واعتبر التحول السياسي الذي قاده الخميني “رمزًا لانتقام شديد القسوة”، بحسب تعبيره.
ولم يُخفِ الحسن الثاني قلقه من الطابع العقائدي المغلق للثورة، وأعلن صراحة براءته “من الإسلام الذي يدعو إليه النظام الجديد”. بالنسبة للحسن الثاني، لم تكن الثورة مجرد انتقال للسلطة، بل انزلاقا نحو المجهول، تقوده نخبة دينية منغلقة، بعد أن “شكّل الخميني حكومة من أناس منغلقين، مانحا بذلك كل القوة للأئمة والملالي”.
هذا الموقف لم يكن فقط تعبيرًا عن خلاف إيديولوجي، بل كان أيضا قراءة مبكرة لتحول إيران إلى مشروع سياسي ديني عابر للحدود، سيتصادم مع توجهات المغرب الداخلية، وموقعه الإقليمي في السنوات اللاحقة للثورة.
علاقات مد وجزر
لم يمر وقت طويل على إطاحة الثورة بشاه إيران، حتى بدأت مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولة إمارة المؤمنين ودولة ولاية الفقيه، بعدما أعلنت إيران سنة 1981 اعترافها بالبوليساريو.
وتجاوز الأمر العلاقات الدبلوماسية، وامتد إلى صدور فتوى لتكفير الخميني، ردا على تصريحات نشرت في صحف كويتية وسعودية، تتعلق بالمهدي المنتظر، كما رفض المغرب لاحقا تصريحات الخميني بشأن مؤتمر القمة الإسلامي الذي احتضنته الدار البيضاء سنة 1984، بعد أن وصفه بقمة “التآمر والعمالة لأمريكا وإسرائيل”.
واستمر قطع العلاقات لنحو 10 سنوات، ثم عادت المياه إلى مجاريها، نسبيا، عقب وفاة الخميني وصعود علي خامنئي الذي تسلم زمام الحكم وسحب الاعتراف السابق بالبوليساريو.
اتسمت العلاقات بين البلدين بالمد والجزر، حيث عاد التوتر مرة أخرى سنة 2009، وهذه المرة بسبب إعلان المغرب عن موقفه الداعم لسيادة البحرين، وذلك على خلفية تصريحات علي أكبر ناطق نوري، رئيس التفتيش العام بمكتب المرشد العام للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي وصف فيها البحرين بكونها “كانت المحافظة الرابعة عشرة لإيران”، ورغم أن الأزمة بين البحرين وإيران لم تتجاوز بضعة أيام، إلا أنها خلفت قطيعة جديدة بين المغرب وإيران، وامتدت إلى سنة 2014.
المرة الثالثة لقطع العلاقات كان السبب فيها حزب الله اللبناني، حيث أعلن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ناصر بوريطة، في مطلع شهر ماي سنة 2018، عن قرار الرباط قطع العلاقات مع إيران بسبب “الدعم العسكري لحليفها حزب الله للبوليساريو”، وأضاف أن المغرب “يتوفر على أدلة دامغة وأسماء ووقائع دقيقة، تؤكد التواطؤ بين حزب الله والبوليساريو ضد المصالح العليا للمغرب”.
من جهتها نفت إيران الاتهامات الموجهة لها بشأن علاقتها مع البوليساريو، وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، إن تلك الاتهامات “لا أساس لها من الصحة وتجافي الحقيقة ومرفوضة تماما”.
مغرب اليوم بين مدافع ورافض
اليوم، رغم استمرار قطع العلاقات رسميا بين المغرب وإيران منذ سنة 2018، إلا أنه منذ توقيع المغرب على الاتفاق الثلاثي، وفي ظل الحرب على قطاع غزة والتصعيد الإيراني “الإسرائيلي”، عاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة العلاقة مع إيران.
ومع احتدام الصراع في الشرق الأوسط، برز جدل محتدم في الساحة المغربية بين تيارين متضادين حول موقف البلاد من هذه الحرب. ويرى التيار الأول في “إسرائيل” حليفا استراتيجيا لا غنى عنه، خاصة في ظل الرهانات الوطنية المتعلقة بقضية الصحراء، معتبرا أن كل من يعادي الكيان الإسرائيلي هو بالضرورة عدو “للمصلحة الوطنية”، وفي مقدمتهم إيران التي لطالما شكل ملف الصحراء سببًا جوهريًا في توتر العلاقات معها.
وفي مثال على ذلك أعلنت جمعية مغرب التعايش، في بيان، يوم 16 يونيو الجاري، عن دعمها المطلق، وتضامنها اللامشروط مع “دولة إسرائيل”، معتبرة أن الهجوم على إيران معركة سيادية رامية إلى تحصين أمنها القومي وحماية مواطنيها من السياسات العدوانية التي ينتهجها النظام الإيراني.
نفس الموقف عبر عنه الإئتلاف الوطني لجمعيات المجتمع المدني، حيث وصف الرد الإيراني على هجمات الثالث عشر، بالعدوان الإرهابي الذي يستهدف المدنيين داخل “إسرائيل”.
في المقابل، يرفض التيار الثاني هذا الانحياز، مؤكدًا أن الواجب الإنساني والسياسي يقتضي التضامن المطلق مع الشعب الفلسطيني وكل من يدعم قضيته، مهما كانت الظروف الدبلوماسية أو المواقف الرسمية تجاه إيران، أو غيرها من الدول. ويرى هذا التيار أن المواقف الداعمة لإسرائيل تمثل أقلية هامشية لا تستند إلى واقع النزاع، بل تتجاهل العدوانية الإسرائيلية وجرائمها المستمرة، ما يجعل تأييدها موقفًا هشًا وغير قابل للتبرير، ويعتبر أن موقف العداء مع إيران، رغم تموقعه السياسي، يفتقر إلى قاعدة واقعية متينة، إذ يقوم على تجاهل الحقائق الميدانية، التي تظهر إسرائيل كقوة معتدية بادرت إلى الحرب، وترتكب جرائم إبادة وجرائم حرب بحق الفلسطينيين.
وفي هذا السياق أصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بيانا، تدين فيه الهجوم الإسرائيلي على إيران، والذي اعتبرته خرقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، وانتهاكا لسيادة الدولة الإيرانية، كما رأت فيه عقابا لإيران على دعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.
ومن جانبه أعلن حزب التقدم والاشتراكية عن “إدانته القوية ورفضه القاطع لما يتعرض له الشعب الإيراني من عـدوان صهيوني غاشم”، وأوضح الحزب في بيان له أن “هذا العدوان الجديد للكيان الصهيوني يشكل تأكيدا آخر على أن هذا الأخير ماض في غطرسته العسكرية، ولا يقيم أي اعتبار للقانون الدولي ولا للمنتظم الأممي”.
وفي سياق متصل أكد رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران، في تصريح لافت، أنه لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تضطلع به إيران في دعم محور المقاومة، الذي يواجه عدوانًا إسرائيليًا مستمرًا على الشعب الفلسطيني. ورغم إقراره بأن إيران ارتكبت أخطاء في سياساتها الإقليمية، شدّد بنكيران على أن ما يحدث في فلسطين يتجاوز الخلافات السياسية، ويُعد قضية إنسانية وأخلاقية بامتياز، تفرض على الجميع موقفًا واضحًا ضد إسرائيل دون الانجرار وراء الحسابات الدبلوماسية أو المصالح الضيقة.
وعبّر بنكيران بشكل صريح عن دعمه لدور إيران في التصدي لإسرائيل، معتبرًا أن الوقوف إلى جانب أي طرف يناصر القضية الفلسطينية يندرج ضمن الواجب الديني والإنساني، بغض النظر عن التباينات المذهبية أو التوترات السياسية.