الرئيسية

تحقيق| حقوق مُعلّقة وأراضٍ تُنهب سرّا في تازناخت

في تازناخت، حيث الأرض ليست مجرد تراب بل ميراث وهوية، تتوارى الحكايات خلف جدران الصمت والانتظار. هنا، لا تُوزع الأراضي السلالية كما ينص القانون أو بما يقتضيه العرف، بل تتغير القرارات وتُلغى الحقوق وتُمنح الامتيازات في الخفاء، بينما يظل كثيرون عالقين في متاهة من الإجراءات الغامضة والوعود المؤجلة.كيف تحولت لوائح ذوي الحقوق إلى أوراق سرية لا يطّلع عليها أحد؟ ولماذا تتكرر شكاوى الإقصاء والتلاعب، خاصة حين يتعلق الأمر بالنساء اللواتي يُحرمن من حقهن المشروع في الإرث والانتفاع؟ بين اتهامات المحسوبية وشبهات التزوير، يكشف هذا التحقيق عن شبكة معقدة من العلاقات والمصالح، حيث يصبح الحصول على قطعة أرض معركة طويلة، لا تنتهي دائماً لصالح أصحاب الحق.

تحقيق: عادل ايت واعزيز

كلَ صباحٍ منذ مطلع شهر فبراير 2024، يتوجه علي نوبيس، الذي تجاوز الخمسين من العمر، إلى مقر باشوية “تازناخت”، أو كلما سمحت له ظروف عمله بذلك؛ يمسك بين يديه رزمة أوراقٍ حينًا، وأحيانًا يتأبطها، لكنه عادةً ما يعود خائبا. 

حين قابلناه، أخبرنا علي أنه يسعى من أجل الحصول على حقه، في قطعةٍ من الأراضي السلالية، يبني عليها بيتًا، يلوذ إليه مع أسرته الصغيرة، وفق عرف الجماعة السلالية لـ”تازناخت”، وهو العرف الذي يشترط الزواج، كي يستفيد ذوو الحقوق من قطعة أرضية لبناء بيتٍ للسكن. 

وجع الانتظار.. سكن مؤجل منذ 18 سنة

يبلغ علي من العمر 56 عاما، متزوج منذ ربع قرن، وأب لثلاثة أبناء؛ كل ما يريده هو الحصول على قطعة أرضية، بالقرب من عائلته وجيرانه بحي “أيت عتو”، جماعة تازناخت، حيث ولد وعاش طفولته وشبابه، باعتباره عضوا في الجماعة السلالية، وعلى هذا الأساس حصل على بقعة في حي القصبة، سنة 2007، لكنه لم يتمكن من حيازتها. 

يقول في حديثه معنا: “حصلت سنة 2007، على قطعة أرضية تابعة للجماعة السلالية، مساحتها 300 متر مربع، ثم باشرت القيام بالإجراءات القانونية اللازمة، لأضع تصميما للبقعة، وكلما ذهبت مع الطبوغرافي لرسم الحدود المادية والقانونية لموقع البناء، أواجهُ بمنع نواب الأراضي السلالية، لكن هذه السنة فوجئت بالسلطة المحلية تطلب مني تحيين القرار، وحين قصدت باشا المدينة، أخبرني بقرار تغيير مكان القطعة التي حصلت عليها قبل 18 عاما”.

وعلى الرغم من أن علي يتوفر على قرار موقع ومصادق علي من طرف الباشا السابق للمدينة ونواب الأراضي السلالية، فإنه أبدى استعداده لقبول التغيير، لكن الصدمة كانت أكبر حين علم بأن القطعة التي عرضت عليه كتعويض؛ تتواجد بالقرب من الطريق الجديدة الرابطة بين تازناخت ومدينة ورزازات، وهي قطعة سبق تفويتها لشخص آخر. 

”أنتظر الحل منذ أشهر بعدما أكدت لي السلطات المحلية ونواب الأراضي، أنه سيتم تعويضي بقطعة في حي تازناخت القصبة، بدل الحي الذي أمضيت فيه حياتي كلها، بدلا عن القطعة الأرضية التي حصلت على قرارها سنة 2007، لكني وجدت نفسي في نفق مسدود، إذ إن البقعة التي تم تعويضي بها جرى تفويتها لشخص آخر”، يقول علي لمنصة “هوامش”.

نواب الأراضي السلالية يصرون على تحويل علي إلى هذه القطعة الأرضية، التي تبلغ مساحتها 400 متر مربع، سيحصل عليها مناصفة مع الشخص الذي سبق أن فوتت له والذي أعد تصميمها، إلا أن علي يؤكد أن هذا الأمر “لا يقبله  المنطق ولا تصميم القطعة، وقد أدخلُ معه في نزاعٍ، وهذا ما أريد تجنبه”. 

وبينما منحه القرار الأول الذي حصل عليه سنة 2007، قطعة أرض  تبلغ مساحتها 300 متر مربع، مخصصة له وحده، فوجئ علي، عام 2023، بتغيير القرار بمنحه بقعة مساحتها 400 متر مربع، مشتركة مع شخص آخر. 

ونظرًا لأن تصميم البقعة تم إعداده مسبقًا، بطريقة لا تسمح بتقسيمها بشكل عادل بين شخصين، فإن الشخص الذي سيحصل على نصف المساحة سيجد نفسه محصورًا في مجال محدود للغاية. ويرفض علي ذلك مؤكدا أن: “هذه القطعة التي تبلغ 400 متر مربع، والتي تم تحويلي إلى 200 متر مربع منها، رغما عني، لها تصميمها الخاص، وسأجد نفسي على باب جاري لا تفصلنا سوى بضعة أمتار حسب التصميم”.

التلاعب بالقطع الأرضية.. أصابع الاتهام توجه للنواب! 

لم تكن معاناة علي فريدة، فأثناء إعداد هذا التحقيق، قابلت “هوامش” عددا من ذوي الحقوق، الذين واجهوا نفس مشكلته، حيث تم إلغاء قرارات استفادتهم دون مبرر، وتم تفويت قطعهم الأرضية إلى أشخاص آخرين. 

ظل ذوو الحقوق يواجهون مصيرا مجهولا، ويتعلق الأمر بالأشخاص الذين ينتمون إلى الجماعة السلالية ويتمتعون بحق الانتفاع من الأراضي الجماعية، وفق القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، وهو القانون الذي ينظم شروط هذا الانتماء، وتمنح صلاحية تدبير هذه الأراضي لنواب عن الجماعة تحت وصاية ممثلي وزارة الداخلية.

ويوجه “علي” أصابع الاتهام لأحد نواب الأراضي، الذي انتزع منه بقعته الأرضية “دون أي مبرر”، وهي بقعة حصل على قرار قانوني لحيازتها، موقع من طرف النواب ومصادق عليه من طرف السلطات المحلية، إلا أن تلك البقعة لم تعد متاحة له.

أحد الذين قابلناهم المعروف باسم “آلِ”، متزوج وله أولاد، أوضح لمنصة “هوامش” أن النواب منحوه “قطعة أرضية بالقرب من المصلى، وبعد مدة، توصلت منهم بخبر تغيير مكانها، وحينما تواصلت مع الباشا، اكتشفت أن القطعة الأولى قد نزعت مني ومنحت لأحد أبناء النواب”.

 ويتهم محدثنا النائب “م. أ. م” بالتلاعب، وبأنه عمل على تفويت قطعة لابنه، خارج القانون. وقد حاول استعادتها باللجوء إلى السلطات المحلية، لكنه لم يتوصل إلى أي حل، فاستسلم للأمر وتقبل تغيير مكان قطعته الأرضية.

المتاهة..

التقصي في ملف الأراضي السلالية لتازناخت، أشبه بالدخول إلى متاهة، فكلما تلمسنا مخرجا واجهتنا منعرجات تفضي إلى مطب، تغيير القطع الأرضية وتفويتها لآخرين، ضمنهم أبناء نواب مسؤولين عن تدبير الأراضي، ليس هو المشكل الوحيد الذي يواجه المتزوجين من ذوي الحقوق، بل حتى المساحات التي يستفيدون منها تبدو أنها “تخضع لمزاج النواب” وفق ما توضحه تصريحات المتضررين.

وقفت “هوامش” أثناء بحثها على قيام نواب الأراضي بتخصيص مساحات متباينة للمستفيدين، وحصلنا على وثائق تظهر حصول بعض ذوي الحقوق على قطع مساحتها 75 مترا مربعا، أو 100 متر مربع، بدل 300 متر مربع التي يحصل عليها أغلب المستفيدين.

هذا ما حدث مع إبراهيم وإخوته الثلاثة، أعضاء الجماعة السلالية لـ”تازناخت”، إذ خُصصت لهم قطعة أرضية واحدة، بمساحة 300 متر مربع، يتقاسمونها جميعا، في حين أن العرف الجاري هو استفادة كل ذي حق من 300 متر مربع بشكل فردي، لهذا وجه إبراهيم، يوم 26 من شتنبر 2024، أصالة عن نفسه ونيابة عن أشقائه الثلاثة، طلبا لباشا تازناخت، من أجل التدخل لإيجاد حل له ولإخوته.

قصة إبراهيم وأشقائه تلخص فصول حرمانهم من “حقوقهم الشرعية والقانونية في الاستفادة”، كما جاء في موضوع الطلب، موضحا أنه بعدما “تسلم الإخوة الأربعة، سنة 2007، قرار الاستفادة من قطعة أرضية مساحتها 300 مربع”، يكون نصيب كل أخ  فيها، 75 مترا مربعا، عكس ما هو متعارف عليه في الجماعة السلالية. 

اكتشف إبراهيم وإخوته، أن تصميم القطعة التي حصلوا عليها غير مناسب لهم، كونه يخص فردا واحدا فقط للسكنى، مما يجعله تصميما لا يناسب القسمة، فكل أخ يحتاج إلى مساحة خاصة تلبي احتياجاته وخصوصياته، ولا يمكن أن يستخدم كمشروع سكن مشترك.

ويقول الإخوة في طلبهم إن تلك البقعة “بقيت معلقة، لأن طريقة بنائها شبه عشوائية، مما أدى لخلق مشكل بيننا كإخوة، لأن كل واحد منهم  بنى مساحته بطريقة غير مناسبة، كما لا يمكن ربطها بشبكة الكهرباء والماء الصالح للشرب”.

ويوجه إبراهيم اتهامه لـ “م.ط“، أحد نواب الجماعة السلالية الذي “(..)، استمر بنفس المنوال”، حسب الرسالة الموجهة للباشا، بعدما خصص لهم قطعة أرضية أخرى سنة 2018، مساحتها 400 متر مربع، نصيب كل واحد من مساحتها 100م مربع. لكن الإخوة فوجئوا مجددا، أن ”مكان البقعة غير مناسب للاستقرار والسكن فيه، لكونه مجرى مائي تتكون فيه الأمطار وجريان السيول”.

ويؤكد إبراهيم وإخوته، في نفس الشكاية، اتهامهم لنائب حي أيت عتو، بالتلاعب المستمر بقطعهم الأرضية منذ سنة 2007، مرورا بسنة 2018، وصولا إلى سنة 2024، حيث وجه الإخوة أيت اسعيد رسالة للباشا من أجل التدخل لإيجاد حل قانوني لحالتهم.

محسوبية وخرق للعرف؟!

المرسوم رقم 2.19.973، المتعلق بتطبيق القانون 62.17، بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، ينص على أن تحيين لوائح أعضاء الجماعات السلالية يخضع لمعايير تتلخص في: “الانتساب للجماعة السلالية، وبلوغ سن الرشد ثم الإقامة بالجماعة السلالية”، إلا أن عرف الجماعة السلالية لتازناخت يضيف شرط الزواج.

لكن، خلال بحثنا رصدنا استفادة شخصين، على الأقل، من أبناء النواب والمقرّبين منهم، من بقع أرضية في عام 2007، رغم أن كلاهما لم يكن متزوجًا حينها. 

تخص الحالة الأولى  ابن النائب م.أ.م، والذي حصل على بقعة أرضية وسنه لم يكن قد تجاوز حينها 19 عاما، هذا ما تظهره وثيقة تعود إلى سنة 2007، حصلت عليها “هوامش”.

أما الحالة الثانية، فتتعلق بأحد المقربين من النواب، حيث أظهرت الوثائق أنه حصل على بقعة أرضية في نفس السنة، رغم أنه لم يكن متزوجا بعد، وكان عمره حينذاك 27 عامًا. 

هذا الأمر لاحظه يوسف كوبيال، ابن المنطقة والبالغ من العمر 30 سنة، حيث أوضح أن “أشخاصا من العائلات المقربة لنواب الأراضي يستفيدون بسرعة فائقة بعكس أشخاص متزوجين منذ سنوات ولم يستفيدوا”.

تصريح يوسف كوبيال

“سير وأجي”.. متزوجون يشتكون من التماطل

قابلت “هوامش” عددا من ذوي الحقوق المتزوجين الذين لم يحصلوا على شيء بعد، رغم استيفائهم للشروط القانونية والعرفية، بينهم محمد، وهو شاب ثلاثيني، ينتمي للجماعة السلالية لـ “تازناخت”، ولكنه يواجه ما يصفه بالتماطل في تمكينه من قطعة أرضية “حسب العرف”. 

ويقول محمد في حديث لـ “هوامش”، إنه إذا كان الزواج شرطا للاستفادة، “فقد مضـت أكثر من سنتين على زواجي، وأنا من ذوي الحقوق، ولكنني لم أستفد حتى الآن”. بينما “استفاد ابن أحد نواب الأراضي السلالية، من قطعة أرضية، علما أنه تزوج في نفس الفترة التي تزوجت فيها”، يضيف الشاب متسائلا عن هذا التمييز.

وبعد أن استنفذ محمد جميع المحاولات، وضع شكاية لدى الباشا يوم 6 يونيو 2023، ورغم أن السلطات أكدت له أنه سيستفيد “من القطعة الأرضية”، لكنه يؤكد أنه لم يتوصل بشيء، “قدمت شكاية أخرى، دون أن أتلقى أي رد، وفي كلتا الشكايتين تم استدعاء جميع النواب، وتم استثنائي، أنا الطرف المتضرر، الذي لم يتم الاستماع إليه أبدا” يقول محمد.

لم يتردد محمد في المطالبة بحقه، واستمر في مراسلة الجهات المسؤولة، ”واصلت التظلم، ووضعت شكاية أخرى، يوم 26 شتنبر 2023، بقسم الشؤون القروية بعمالة إقليم ورزازات، وقابلت الكاتب العام الذي أكد لي أن المشكل يكمن في نواب الأراضي، وأنهم المسؤولون عما يجري، ووجهني إلى عامل الإقليم، الذي وضعت لديه شكاية يوم 28 أبريل 2023″.

محمد ليس وحده المحروم من الاستفادة من قطعة أرضية، بل ينطبق الأمر على ذي حق آخر يتوفر فيه شرط الزواج ، يحمل نفس الإسم، وهو شاب في الثلاثينات من عمره أيضا، فقد رفض النواب منحه قطعة أرضية في الحي الذي كان من المفترض أن يستفيد فيه، فاضطر لاستئجار شقة لأسرته بمدينة ورزازات، التي تبعد حوالي 30 كلم عن الجماعة. 

وبسبب ما اعتبره ظلما، وجه محمد شكاية لعامل إقليم ورزازات، موضوعها “الشطط” الذي يعرفه تدبير الأراضي السلالية بـ”تازناخت”؛ اتهم فيها بشكل صريح “م.آ.م” و “إ.ز”، اثنان من نواب هذه الأراضي، باستغلال هذه الأراضي “وتوزيعها على أقاربهم في أماكن مجهزة وجيدة” حسب نص الشكاية.

وإلى حدود نشرنا لهذا التحقيق، لم نتوصل من المشتكين بأي تأكيد لتوصلهم برد، أو تحريك المساطر لإنصافهم.

إقصاء النساء.. الوارثات وذوات الحقوق يدفعن الثمن

إن كان وضع الرجال في تازناخت يتميز بالتماطل، وتغيير قرارات استفادتهم، وصم الآذان عن مطالبهم، فوضع النساء أسوأ، حيث يواجهن معارضة النواب لاستفادتهن، وبعضهم يعترضون على إدراج أسمائهن في لوائح ذوي الحقوق.

”النساء لا يستفدن”، هذا هو رد بعض نواب الأراضي السلالية، عكس ما ينص عليه القانون، على النساء اللواتي يطلبن الاستفادة من القطع الأرضية، سواء كن من ذوات الحقوق أو من الوارثات، لذلك ترفض طلباتهن ولا تدرج أسماؤهن في لوائح ذوي الحقوق، حسب تصريحات متطابقة “لهوامش” أدلت بها بعض المتضررات. 

لهذا السبب وضعت تيدار، وهي امرأة متزوجة في الخمسينات من عمرها، شكاية لدى باشا تازناخت، بتاريخ 9 يونيو 2023، تطلب منه إجراء بحث بشأن عدم إدراج اسمها في لائحة ذوي الحقوق، وتطالب بالتدخل من أجل تسجيلها.

أما سميرة، فلازالت تتردد على مقر باشوية تازناخت، للمطالبة بقطعة أرضية تعود لوالدها، ”ترك لنا والدي هذه القطعة الأرضية، ونتوفر على قرار يحمل توقيع جميع النواب وتوقيع باشا المدينة السابق”. تقول لنا سميرة، التي قال لها أحد النواب إنها لا تنتمي إلى الجماعة السلالية، ولا حق لها في الاستفادة، “لكن نائب الباشا أكد لي أنه من حقنا الانتفاع بهذه البقعة” تضيف الشابة.

لا تختلف كثيرا قصة سميرة، عن قصة فتيحة (اسم مستعار) وأخواتها، اللواتي ترك لهن والدهن قطعة أرضية، مع قرار موقع ومصادق عليه من طرف النواب والسلطات المحلية منذ سنة 1997، والآن، يضغط عليهم بعض نواب الأراضي السلالية لتازناخت للتنازل عنها. 

“كلما طالبنا بالبقعة الأرضية التي تعود لوالدي المتوفى، يصر علينا نائبان أن ننسى أمرها وأمر القرار، وهذا ما لا يمكن أن نتنازل عنه بقوة القانون، نحن نريد فقط أن نضع اسم الوالدة مكان اسم الوالد، لكنهم رفضوا ذلك”، تقول فتيحة.

منذ أشهر، تتردد فتيحة على مقر باشوية تازناخت، ومصلحة الشؤون القروية بعمالة إقليم ورزازات، وتؤكد لها جميع هذه الجهات، حسب قولها، أن من حقها الاستفادة مع أخواتها من قطعة والدهن، ”أكد لنا الباشا والسلطات المحلية ألا مشكلة في القرار، في حين يستمر النواب في التسويف؛ توجهت بعدها إلى مصلحة الشؤون القروية، وشرحت لهم حالتنا، وأكدوا لنا بدورهم أن من حقنا الاستفادة من القطعة”، تقول المتحدثة.

”نحن لا نطالب ببقعة لكل أخت” تؤكد فتيحة، “إنما نريد هذه البقعة التي تعود لوالدي”، تلقت فتيحة موافقة أحد النواب، الذي أكد لها أن قرارها قانوني وبإمكانها إعداد تصميم له، لكن “المفاجأة أن نائبا آخر اتصل مباشرة بالطوبوغرافي، لكي يوقف العملية، على أساس أن والدتي مستفيدة، وهذا أمر نفيناه أمام السلطات المحلية غير ما مرة، فوالدتي لم تستفد من أية قطعة أرضية”.

امرأة تخرق القاعدة.. شبهة تزوير تدق الجرس

بينما تواجه النساء في تازناخت معارضة النواب للاستفادة، حصلت “هوامش”، على وثيقة موقعة بتاريخ 16 نونبر 2023، وتحمل تأشيرة باشا تازناخت، تستفيد بموجبها السيدة “ج. أ” على قطعة أرضية تبلغ مساحتها 278 مترا مربعا، قصد بناء دار للسكنى.

الوثيقة عبارة محضر اجتماع، حصل على تأشيرة باشا تازناخت، ويحمل توقيع عون سلطة، ممثلا للسلطة المحلية بتازناخت، إضافة إلى توقيعات ثلاثة نواب، والمثير أنهم “إ. ز” و “م. آ. م” و “م. ط”، الذين ذكرت أسماؤهم على لسان عدد من المتضررين  الذين اتهموهم بالتلاعب وعرقلة استفادة ذوي الحقوق، كما وردت أسماؤهم في شكايات المتضررين إلى السلطات.

ووفق البحث الذي أجرته “هوامش”، تقطن المعنية بالاستفادة في مدينة العيون، وليس في تازناخت، وهو أحد شروط الاستفادة حسب العرف، بينما أكدت مصادر متطابقة أن السيدة لم تكن تعلم بموضوع الاستفادة، ولم توقع أي طلب أو وثيقة بهذا الشأن.

وبينما رفضت المرأة الحديث معنا، أكد مصدر موثوق من عائلتها، في اتصال مع ”هوامش”، أنها لم يكن لديها أي علم بهذه القطعة التي فوتت لها، والأكثر إثارة للريبة، أنها لم توقع على أية وثيقة، ولم تقدم أي طلب من أجل الاستفادة، ووجه المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه اتهاما لشقيقها، الذي كان يسعى للحصول على بطاقة هويتها بهدف الحصول على القطعة الأرضية وبيعها لحسابه الشخصي.

وفي اتصال معنا، كشف المصدر أن سبب صمت السيدة “ج. أ” وامتناعها عن التصريح يعود إلى تورط أخيها في هذه العملية، وخوفها من أن تتم متابعته، موضحا أنه “طلب منها ذات يوم إرسال بطاقة هويتها الشخصية، دون أن يكون لديها علم بالنوايا الحقيقية وراء ذلك”. نفس المصدر أكد أن نفس الشخص طلب منه إرسال صورة بطاقته وبطائق أفراد من أسرته، لكنه رفض رفضا قاطعا. 

وأكد مصدرنا أن السيدة “لم يكن لها علم بأي بقعة أرضية، ولم توقع على أي وثيقة. هي نفسها تفاجأت تمامًا عندما سمعت بالأمر”. وأضاف: “عندما انتشر خبر استفادتها من البقعة الأرضية، بدأت بعض النساء اللواتي لم يستفدن، باستفسارها عن ذلك، لكنها كانت غير مدركة تمامًا للأمر، وأكدت لهن بوضوح أنها لم تحصل على أي شيء”.

خرق للقانون.. لوائح لا يعلم عنها أحد

يوم 24 يناير 2023، نشر نائب الأراضي السلالية لتازناخت القصبة، عزيز جدي، توضيحا عبر حسابه على منصة فايسبوك، يتبرأ فيه من عدد من قرارات الجماعة السلالية، مؤكدا: ”لم أتلق أي دعوة كتابية أو شفوية من السلطات المحلية بتازناخت، ولا علاقة لي بالتفويتات التي تمت”. 

عزيز جدي، الذي لم يوقع على قرار استفادة “ج. أ”، أوضح: ”ذهبت للباشوية للاستفسار عن الأمر، وتم منعي من الحصول على لائحة ذوي الحقوق ولائحة الطعون”. وأضاف: ”أتبرأ من أي تفويت للبقع الأرضية المعدة للسكن التي لا تحمل توقيعي، وأحمّل كامل المسؤولية للجهات المسؤولة عن تبعات التدبير الأحادي والعشوائي لهذا الملف الشائك”.

موضوع التسجيل في لوائح ذوي الحقوق، والشفافية في إعدادها ونشرها، يثير القلق وسط أهالي تازناخت. هذا ما أخبرنا به يوسف كوبيال، 30 سنة، من مواليد تازناخت القصبة، نشأ وتابع دراسته بها إلى حين حصوله على الباكالوريا.

يقول يوسف في حديثه إلينا “قدمت طلبا للتسجيل في لوائح ذوي الحقوق مرتين، ورفض طلبي، وتحدثت مع بعض النواب ولم يعطوني أي جواب مقنع، نفس الأمر حصل مع شقيقي ومع والدتي”، وبينما يشتكي محدثنا من غياب التواصل، يطالب “بفتح تحقيق معمق من طرف السلطات الوصية ومن طرف وزارة الداخلية”.

تصريح يوسف كوبيال

تنص المادة الأولى من الفرع الأول، من المرسوم رقم 2.19.973 الصادر في 9 يناير 2020، بتطبيق أحكام القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، وتوضح أن إعداد وتحيين لوائح أعضاء الجماعة السلالية، ذكورا وإناثا، يتم داخل أجل 3 أشهر من تاريخ الدعوة التي يوجهها كتابيا عامل الإقليم أو العمالة إلى جماعات النواب، تحت إشراف السلطة المحلية، وذلك استنادا على معايير الانتساب للجماعة السلالية المعنية، وبلوغ سن الرشد، والاقامة بالجماعة السلالية.

ويقول نفس القانون أنه في حالة تعذر إعداد وتحيين اللائحة المعنية، داخل الأجل المحدد، يجوز تمديد هذا الأجل بصفة استثنائية لمدة شهر واحد، غير أن اللوائح التي سبق إعدادها والمصادقة عليها، يؤكد القانون أنها تبقى سارية المفعول. كما يشير القانون إلى أن اللوائح يتم تحيينها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وفي جميع الأحوال كل 5 سنوات.

المادة 2 من الفرع الأول، توضح أن الجماعة السلالية تحيل لائحة أعضاء الجماعة السلالية إلى السلطة المحلية، داخل أجل 8 أيام الموالية لانصرام الأجل المحدد في المادة الأولى، كما تسهر السلطة المحلية على إشهار اللوائح المتوصل بها عن طريق تعليقها، لمدة شهرين بمقرها، والإعلان عن هذا التعليق بكافة الطرق المتاحة.

ويعتبر المحجوب آيت مالك، أحد أبناء المنطقة، أن المعضلة التي تواجه تدبير هذه الأراضي، “خصوصا في منطقة تازناخت، أن نواب أراضي الجموع أغلبهم لا يعرفون القوانين، ومنهم من لا يعرفون القراءة، ويتم استغلالهم في التوقيع فقط”.

تصريح المحجوب آيت مالك

وتواصلت “هوامش” مع النائب عزيز جدي بشأن ما نشره، فأكد “كل ما كتبته صحيح، في ذلك الوقت استفردت سلطة الوصاية بالقرار، وعم إحساس لدى فئة كبيرة من ذوي الحقوق وعائلاتهم التي أمثلها بالإقصاء والتهميش”.

وأكد جدي، في اتصال مع “هوامش”، أنه تجاوز ما كتبه بعد اجتماع حضره، وقال “الاجتماع الذي جمعني بباقي النواب، والسيد الباشا أزال الغموض عن أشياء عديدة، مما استدعى فتح صفحة جديدة، تكون فيها خدمة الصالح العام، وأبناء المنطقة هم المحور. والترفع عن الخلافات التي تعرقل جهود التنمية التي يبتغيها الجميع”.

النواب لا يجيبون عن أسئلتنا

حرصنا طوال مدة عملنا على التحقيق أن نحصل على إجابات نواب الأراضي السلالية بشأن ما رصدناه، وحرصنا بشكل خاص على مواجهة الموقعين على القرارات المثيرة للجدل، والذين وجهت إليهم اتهامات صريحة من طرف المتضررين.

اتصلنا بالنائب “م.إ”، الذي قال إنه ليس بإمكانه التحدث معنا عبر مكالمة هاتفية، وأعرب عن استعداده للقائنا وجها لوجه، واستعداده للرد على أسئلتنا، لكن بعد انتقالنا من مدينة الرباط إلى تازناخت من أجل مقابلته، لم نتمكن من ذلك ولم يعد يرد على مكالماتنا.

لم يتوقف إصرارنا على الاتصال ببقية النواب، الذين يقطنون بنفس الجماعة، لكنهم رفضوا مقابلتنا، بينما اكتفى النائب “إ.ز” بالقول بعد إلحاح منا في  مكالمة هاتفية: “ليس لدي أي شيء يمكنني أن أخبركم به، اذهبوا عند باشا المدينة”. 

أما النائب “م.ط”، فلم يطل الحديث معنا وكان رده مختصرا: “أنا مشغول الآن، وليس لدي وقت”.

الوحيد من النواب الذي فتح صدره للإجابة عن أسئلتنا هو عزيز جدي، لذلك حملنا أسئلتنا إليه جملة واحدة، بداية من تغيير القطع الأرضية، حيث قال: “استلمت الأرشيف من النواب الحاليين، في البداية كانت لدي هذه الملاحظة، لكن تفهمت الأمر، لأن الأهم عندي أننا كلنا من نفس المنطقة، وفي نهاية المطاف تبقى العلاقات الإنسانية. لا نريد أن نعمّق الخلاف، وأحبذ الحل السلمي على التصعيد”.

وأوضح جدي أن مسطرة الاستفادة تفرض أن يضع الشخص طلبه بمكتب الضبط، وتتم دراسته، مع الالتزام بعدم تجاوز 300 متر مربع أثناء توزيع البقع، وأعاد التأكيد: “ما أفضله بالنسبة للشباب أن يحلوا أمورهم بشكل سلمي وسلس”.

ونفى المتحدث أي علم له بظروف استفادة السيدة “ج. أ”، وقال: “هي في الأصل من ذوي الحقوق، وجميع نساء تازناخت سلاليات من ذوات الحقوق، أما بخصوص قرار ج. أ فليست لدي أي معلومة، أعلم أن نسخ هذا القرار تم تداولها، ولكن لا علم لي بحيثياته”.

وبشأن القرارات التي تم اعتمادها بتوقيع نائب واحد، أوضح جدي أن “الأصل في القرار أن يوقعه جميع النواب، حسب تمثيلية (العظم) أو (الفخدة) أو (إخص) كما هو متداول في المنطقة، في إطار الديموقراطية التمثيلية لجميع العائلات المكونة للقبيلة”.

وأوضح المتحدث أن العرف لا يمنح الحق في إرث البقع إن كانت عارية، مشيرا إلى أن مصير البقع التي توفي أصحابها هو إعادة توزيعها من جديد.

بعد رحلة استقصائية معمقة، تُشير نتائج تحقيق “هوامش” إلى وجود خلل عميق في منظومة تدبير الأراضي السلالية بتازناخت. وهو ما يستدعي تحركا عاجلا للجهات المسؤولة، لفتح تحقيق نزيه وشفاف في الادعاءات المطروحة، ولمراجعة آليات ومعايير الاستفادة، والوقوف على التطبيق الصارم للقوانين المنظمة لهذه الأرضي، من أجل ضمان العدالة والمساواة بين جميع ذوي الحقوق. ففي تازناخت، ليست الأرض مجرد قطعة للاستقرار، بل عنوان للانتماء للجماعة وجزء من تشكيل هوية أفرادها، هذه الهوية التي يجب أن تبقى بعيدة عن الاستغلال لمصالح عائلية أو منافع شخصية.

إقرأوا أيضاً:

من نفس المنطقة:

magnifiercrosschevron-down
0

Subtotal

 
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram