بلادي

تقرير دولي: المغرب شريك أوروبا المفضل لتنفيذ سياسات تصدير حدود الهجرة

“هوامش”| عماد استيتو

كشف تقرير حديث صادر عن “شبكة معلومات الهجرة” MIGRATION CONTROL، التي تقوم بتوثيق عمليات التفويض التي يمنحها الاتحاد الأوروبي إلى دول ثالثة فيما يتعلق بتدفق المهاجرين، أن المغرب يمثل شريكا رئيسيا وفاعلا في سياسات تصدير حدود الهجرة التي ينهجها الاتحاد الأوروبي، وهي سياسات تنتهك حقوق الإنسان بتواطؤ بين الطرفين. 

يرى التقرير الذي أنجزه مجموعة باحثين، ونشر قبل أيام، أن المغرب يلعب ” دورًا محوريًا في حركات الهجرة على مستوى القارة الإفريقية، وكذلك بين إفريقيا وأوروبا. فهو يشكل نقطة انطلاق و عبور رئيسية للمهاجرين القادمين من بلدان إفريقية مختلفة، والذين يسعون لعبور البحر نحو أوروبا. وقد أدى ذلك إلى اعتماد سياسات تركز على تعزيز مراقبة الحدود، وتشديد الرقابة، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، بينما يسعى المغرب في الوقت نفسه إلى الاستفادة من هذا الوضع قدر الإمكان”.

قمع بأوجه متنوعة ..

يشير التقرير إلى استعمال مكافحة الاتجار بالبشر كذريعة أساسية لمنع حركات الهجرة، وليس لحماية الضحايا، إذ تستمر عمليات الاختطاف القسري داخل الحدود الوطنية، والعودة القسرية (الترحيل غير القانوني)، في استهداف الأشخاص المعرضين أو المتضررين من الاتجار بالبشر.

و تعترض البحرية المغربية القوارب في غرب البحر المتوسط، وعلى الطريق الأطلسي، وتعيدها إلى المغرب. كما تجري عمليات دهم مستمرة واعتقالات ونقل قسري إلى الداخل، خصوصًا في مدن طنجة، وتطوان، والناظور، وفي المناطق الغابوية مثل بليونش وگوروگو، حيث يتركز الاستهداف على الأشخاص ذوي البشرة السوداء. 

“أدت هذه العمليات إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحالات وفاة عديدة. كما تم إنشاء مراكز ترحيل فعلية داخل أماكن تسيطر عليها وزارة الداخلية، حيث يتم ترحيل الناس دون أي حق في الوصول إلى إجراءات قانونية”، نقرأ في التقرير الذي أكد استمرار هذه الإجراءات الأمنية إلى حدود- أبريل 2025- ساعة الانتهاء من إعداد التقرير.

بدورها تواجه المبادرات المدنية الساعية لدعم حقوق المهاجرين بأشكال متنوعة من القمع، من قبيل فض اعتصامات المهاجرين غير النظاميين، أو ترحيل النشطاء الأوروبيين من المغرب، أو حظر دخولهم إلى التراب المغربي بشكل مستمر.

و تعرف مدن الناظور وطنجة أكثر حالات القمع هاته، الموجهة ضد المهاجرين غير النظاميين السود البشرة أساسا، حيث تجري عمليات دهم منتظمة في الأحياء السكنية، غالبًا بذريعة اعتقال شبكات التهريب.

كما تم تعزيز الحراسة حول سبتة ومليلية بشكل مكثف؛  تشير الدراسة إلى أن القوات الأمنية المغربية تفرض رقابة مشددة أمام سبتة، منذ إعلان الحكومة الاسبانية دعمها للموقف المغربي في نزاع الصحراء.

وكانت مجزرة مليلية، في 24 يونيو 2022، التي ارتكبتها قوات الأمن المغربية أمام أنظار شرطة الحدود الإسبانية، علامة بارزة على التعاون بين السلطات المغربية والأوروبية، حيث قتل حوالي 37 مهاجرا غير نظامي أثناء محاولتهم دخول مليلية، بينما لا يزال حوالي 77 شخصا في عداد المفقودين.

وإثر الحادث، قام المغرب بتسييج المنطقة حول مليلية، وحظر على المتاجر والفنادق في الناظور بيع أو استضافة المهاجرين ذوي البشرة السوداء، وفق التقرير.

وتتميز المناطق حول الجزيرتين بالعزلة، كحالة غابتي كوروكو وبليونش، حيث “تؤدي العزلة والعسكرة إلى توثيق جزئي فقط لأعمال العنف الأمنية في سبتة ومليلية، وكذلك في محيط طنجة. وعانى العديد من المهاجرين الذين هربوا عبر الغابات والمناطق الجبلية من إصابات بالغة؛ بينما الوصول إلى العدالة في قضايا ملاحقة قوات الأمن شبه مستحيل بالنسبة للمهاجرين”.

وتناول التقرير وجود مركز الاحتجاز والترحيل غير الرسمي بأركمان، على بعد عدة كيلومترات شرق الناظور، “هو محور لعمليات قوات الأمن وعمليات الترحيل إلى الجزائر. يقضي المهاجرون فيه فترة غير محددة..”.

يرسم الباحثون صورة سوداوية عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين غير النظاميين على الأراضي المغربية، ورغم تزايد التفاعل بين السكان الأصليين والمهاجرين غير النظاميين، بعد حملتين لتسوية الأوضاع القانونية أطلقتهما السلطات، سنتي 2014 و2017، إلا أن مشاركتهم المجتمعية لا تزال محدودة، حيث لا يزالون عرضة للتمييز والصور النمطية.

يعتبر الولوج إلى سوق العمل الرسمي والرعاية الصحية إحدى أبرز العقبات التي يواجهها المهاجرون غير النظاميون، علاوة على إشكالية السكن العويصة، فبدون وثائق قانونية يجد هؤلاء صعوبة بالغة في الحصول على سكن، و يعيش المهاجرون القادمون من وسط وغرب إفريقيا غالبًا في أحياء فقيرة في المدن الساحلية الكبرى، مثل الدار البيضاء، وأكادير، وكذلك في الرباط وسلا، أو في مناطق أخرى مثل آيت ملول وإنزكان.

ويتعرض هؤلاء إلى اعتقالات ومداهمات مستمرة لمساكنهم، وتشمل الانتهاكات التي يواجهونها أيضا مضايقات لفظية وأحيانًا اعتداءات عنيفة وسرقة. لكن أكبر خوف لديهم يبقى خطر الاعتقال المستمر من قبل الشرطة.

  “يُعتقل المهاجرون سود البشرة في المدن الكبرى في المغرب بشكل متكرر في الشوارع. كما تحدث مداهمات لمساكن المهاجرين. غالبًا ما يُقتاد المعتقلون إلى مناطق نائية مثل المناطق الحدودية الشرقية حول وجدة أو إلى الجنوب. يعاني بعض المهاجرين من الاعتقال المتكرر والاختطاف: أبلغ اثنان من مالي أنهما نُقلّا حوالي 30 مرة خلال عشر سنوات إلى منطقة وجدة، وأعيدا عدة مرات إلى الجزائر، لكنهما نجحا رغم المخاطر بالعودة إلى المغرب”.

وفق التقرير، تنسحب هذه الممارسات كذلك على اللاجئين الحاصلين على حماية من المفوضية العليا للاجئين أو الذين ما زالت طلباتهم قيد المعالجة. “رسميًا، على قوات الأمن الاعتراف بإثبات طلب اللجوء كدليل على إقامة قانونية، لكن في الواقع تحدث عمليات اختطاف وترحيل للاجئين بانتظام”.

أداة للتفاوض السياسي

يوصف الباحثون سياسة الهجرة في المغرب بأنها خليط معقد من آليات متعددة تدور في فلك شعار “السيادة الوطنية”، لكنها متأثرة بشكل كبير بالأهداف الخارجية.

ويستعمل المغرب، بحسب التقرير، المهاجرين غير النظاميين كأداة تفاوضية مع الاتحاد الأوروبي، حيث يسعى إلى الاعتراف والأموال. وعبأ الاتحاد الأوروبي حوالي 232 يورو للمغرب، منذ سنة  2014، لمواجهة الهجرة، لكن المغرب لم يكن مهتما بالمال بقدر ما كان يسعى أكثر لتحقيق مكاسب رمزية، خصوصا في اكتساب مكانة الوسيط الإفريقي لأوروبا، وأيضا في ملف الصحراء، وتعثر هذا التعاون بسبب عدم اتخاذ الأوروبيين موقفا حاسما في ملف الصحراء، قبل أن يستأنف سنة 2019، وبدءا من تلك اللحظة شرع المغرب في استلام آلاف المركبات، والمعدات التقنية، لتعزيز قدراته على مراقبة الحدود.

في غشت من سنة 2019، قال خالد الزروالي، مدير الهجرة ومراقبة الحدود في وزارة الداخلية المغربية، في مقابلة مع صحيفة “دياريو”، تعبيرًا عن تحسن العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والاتحاد الأوروبي في صيف 2019، إن المغرب نجح خلال أكثر من 15 سنة في الحد من الهجرة غير النظامية إلى إسبانيا، حيث تم منع 93% من المحاولات بين 2014 و2015، لكن ضغط الهجرة زاد بشكل ملحوظ في 2018. وأضاف أن المغرب منع عشرات الآلاف من محاولات الهجرة وزرع شبكات تهريب كثيرة.

“لا يُعتبر المغرب مجرد موضوع لإجراءات الاتحاد الأوروبي الدفاعية، بل هو فاعل له مصالحه الخاصة، تتعلق بمكانته كقوة إقليمية، وبقضية الصحراء، وكذلك بالمصالح الاقتصادية ..”، يلخص التقرير موقع المغرب في سياسات الهجرة الأوروبية.

في السنوات التي تلت 2011، تحركت مسارات الهجرة، وتحول تركيز أوروبا باتجاه ليبيا والبحر المتوسط المركزي. لكن مع الاضطرابات في الريف في خريف 2016، عاد الاتجاه إلى المغرب. ففي عام 2018 وحده وصل أكثر من 64 ألف مهاجر إلى إسبانيا، ربعهم مغاربة.

هكذا عاد المغرب سنة 2018 إلى مركز سياسات الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة. وعلى غرار حالة إيطاليا وليبيا، حول الاتحاد الأوروبي والحكومة الإسبانية 170 مليون يورو إلى المغرب، جزء منها مخصص لبناء نظام البحث والإنقاذ المغربي، وحظروا على طائرات وسفنهم إجراء عمليات إنقاذ في المياه المغربية. في نفس العام، أطلق المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة ICMPD  برنامجا لإدارة الحدود لمدة أربع سنوات، بهدف الحد من مخاطر الهجرة عبر تقليصها، مقدما  معدات لمراقبة الحدود.

تقول المفوضية الأوروبية إن الاتحاد دفع للمغرب، بين 2014 و2022، أكثر من 2.1 مليار يورو، منها 1.5 مليار يورو ضمن عقود ثنائية وصندوق الطوارئ الائتماني الأوروبي من أجل إفريقيا. إضافة إلى 631 مليون يورو من خلال الأداة الأوروبية الجوار والتنمية والتعاون الدولي (NDICI)، التي حلّت محل صندوق الطوارئ منذ 2021. 

رغم هذه الإجراءات القمعية التي يلعب فيها المغرب دورا رئيسيا ، تستمر محاولات العبور سواء عبر البحر أو البر، مع تزايد أعداد المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى الجيوب الإسبانية أو جزر الكناري، وهو ما يؤكد أن سياسات الحد من الهجرة لم تنجح في وقف الظاهرة.